|  

على الطريق بين أقدم مدينة في التاريخ (أريحا) وأقدس مدينة في التاريخ (القدس)، سقط توفيق زيّاد، فكان موته حزيناً ودامعا.ً 
مات صاحب قصيدة «الرجوعيات» وهو راجع إلى الناصرة المدينة التي عصيت على التهويد والترويض، والتي كانت ساحاتها تضطرم بشعره الذي كان يدوّي كأجمل المناشير الثورية. ولا أجازف كثيراً في ما لو اعتقدت أننا جميعاً أنشدنا، ولو مرة واحدة، قصيدته المشهورة التي يقول مقدمها: 
أناديكم 
أشدُّ على أياديكم 
أبوس الأرض تحت نعالكم 
وأقول أفديكم. 

****** 
يشير مؤرخو الشعر العربي المعاصر إلى أن العام 1930 شهد بزوغ التجديد في الشعر الفلسطيني. ففي ذلك العام شنق الانتداب البريطاني الشهداء الثلاثة: فؤاد حجازي ومحمد جمجوم وعطا الزير. ونظم إبراهيم طوقان قصيدته المشهورة «الثلاثاء الحمراء» فجاءت جديدة في شكلها ونهجها الفني. وقبيل هذا العام بالذات وُلد توفيق زيّاد، فكأنه على موعد مع الجديد في الشعر وفي الحياة، وعلى موعد مع المصائر التي انتهت إليها فلسطين. 
في الثلاثينيات سيطر ثالوث شعري على الحياة الشعرية في فلسطين قوامه إبراهيم طوقان وعبد الرحيم محمود وعبد الكريم الكرمي (أبو سلمى). لكن ثالوثاً آخر ستكون له السيطرة في الستينيات قوامه محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زيّاد. 
كان أبو سلمى وكمال ناصر ويوسف الخطيب ومعين بسيسو يحملون لواء الشعر الفلسطيني في المنفى، وكان توفيق زيّاد ومحمود درويش وسميح القاسم وسالم جبران، علاوة على فدوى طوقان، يحملون لواء الشعر الفلسطيني في الأرض المحتلة، ويرفعون راية الصمود والتشبث بالأرض. أتذكرون نشيده: 
كأننا عشرون مستحيل 
في اللد والرملة والجليل 
هنا على صدوركم باقون كالجدار 
وفي حلوقكم 
كقطعة الزجاج، كالصبار 
وفي عيونكم زوبعة من نار 

****** 
كان يحمل اسمين: صبحي وتوفيق، وكان الناس ينادون والده «أبو صبحي». وفي إحدى المرات جاءت قوة من الشرطة الإسرائيلية تسأل عنه في المنزل، فأجابها والده: «توفيق مش هون». وكان توفيق مختبئاً في مكان ما في المنزل. وعندما ذهب رجال الشرطة خرج توفيق من مخبئه وراح يمازح والده بالقول: «أنت إنسان متدين، فلماذا كذبت ولم تقل الحقيقة؟». فأجاب والده: «بل قلت الحقيقة، فاسمك صبحي، وهم سألوني عن توفيق». 
منذ طفولته اتصف بالعناد والفكاهة معاً. فمن عناده أنه حين كان في السابعة دهم الجنود البريطانيون منزل والده وفتشوه واعتقلوا والده ونهروا والدته وروّعوا أشقاءه، وكانوا يبحثون عن بندقية لوالده. لكن الوالد أبى أن يعترف بوجودها، ورفض الابن أيضاً أن يبوح بمكانها، وكان يعرف أين أخفيت البندقية، ولم تروّعه تهديدات الضابط. ومن فكاهاته أنه في سنة 1951 فشل في تجميع العاطلين عن العمل للقيام بتظاهرة، فلجأ إلى حيلة طريفة، إذ أرسل إلى هؤلاء العمال العاطلين عن العمل شائعة عن أن مقاولاً من تل أبيب سيحضر إلى ساحة مكتب العمل في الناصرة، وهو يحتاج إلى عدد كبير من العمال. وتدفق مئات العمال على المكان، وانتظروا المقاول الذي لم يحضر بالطبع، بل حضر المناضل منعم جرجورة وسار بهم إلى دار البلدية، وهناك كان توفيق زيّاد في انتظارهم، فخطب فيهم محرضاً إياهم على المطالبة بحقوقهم المهضومة، وسارت التظاهرة بالفعل. ومرة، حين كان يقيم في براغ مندوباً للحزب الشيوعي في مجلة «قضايا السلم والاشتراكية»، زار مدينة براتسلافا، فدعاه بعض الطلاب الفلسطينيين إلى عشاء في مطعم شعبي بسيط تحت أشجار الزنزلخت. ولما رأى حال هؤلاء الطلاب وإمكاناتهم قال لهم: «إما أنكم مقحوطون على الجنط، أو أنكم عكاريـ... وتضحكون عليّ»... وكانوا مقحوطين فعلاً. وفي إحدى المعارك الانتخابية راح خصومه يرددون: «لمين بدكو تصوتوا؟ لابن الجمّال؟». ورد توفيق زيّاد على هذه الدعاية بالقول: «ليس صحيحاً أن والدي كان جمّالاً، فلم يعش ذلك العز والرفاه الذي يسمح له بشراء جمل. لقد تمكّن من شراء حمار فقط». 
مال توفيق زيّاد إلى الموسيقى والرسم، ومنذ طفولته كان يشاهد والدته وهي تصحو باكراً لتعجن وتخبز بنفسها، ثم تزود دكان والده بالخبز. لهذا أحب أغنية سيد درويش «الحلوة دي قامت تعجن في الفجرية»، وكان إعجابه بسيد درويش مدخلاً إلى غرامه بالأغنية العربية. 

****** 
عاش توفيق زيّاد فقيراً، فقد سكن في الخمس سنوات الأولى بعد زواجه في غرفة ونصف الغرفة ضمن منزله الوالدي، ثم بنى منزله على سطح منزل والده، ولم تكن لديه سيارة قبل سنة 1974، واقتنى سيارة «فولغسفاكن» برازيلية بعد انتخابه نائباً في الكنيست. وكان عنيداً ومشاكساً وصلباً. ومن وقائع صلابته أنه اعتقل في سنة 1954 بعد تظاهرة ضد الضريبة الموحدة على الرؤوس التي لا يدفعها اليهود بذريعة خدمتهم في الجيش. وقد نُقل إلى سجن طبريا وضُرب، وكان يرد على ضرباتهم بيديه ورجليه ورأسه. وحين تمكنوا منه وقيّدوه، تابعوا ضربه، فراح يبصق عليهم. لكنه، بعد حين، أطلق سراحه تحت المحاكمة، ثم صدر الحكم عليه بالسجن أربعين يوماً، فذهب لتنفيذ الحكم، فأرسلوه مجدداً إلى سجن طبريا، وهناك حاول شرطيان استفزازه وإرغامه على كنس الزنزانة، فما كان منه إلا أن انتزع المكنسة من الشرطي وكسر عصاها على رأسه، فحوكم مجدداً بتهمة الاعتداء على شرطي في أثناء الوظيفة. 

****** 
في حرب حزيران 1967 كتب قصيدته المشهورة «كلمات عن العدوان» التي يقول فيها: 
«من هنا مرّوا إلى الشرق 
غماماً أسودَ 
يقتلون الزهر والأطفال والقمح 
وحباتِ الندى 
من هنا سيعودون 
وإن طال المدى». 
وفي حرب تشرين الأول 1973 كتب قصيدة «عبور» وسمى ابنته التي وُلدت آنذاك «عبور». أما في القصيدة فيقول: 
«طويلاً كان الليلُ، طويلاً كان 
وثقيلاً كان العارُ، ثقيلاً كان 
وعميقاً كان الجرحُ، عميقاً كان 
أما الآن، الآن، الآن 
فالفرح المسقيُّ دماً 
ينبت ورداً وشقائق نعمان». 
كانت لازمة القول في كلامه عبارة «خيّا» التي تحتوي معنى الأخ ومعنى «الآخ» معاً. وعندما جاء خبر رحيله الفاجع اكتشف كثيرون أنه كان أخاً، وكانت زفرة «الآخ» وداعاً له.