إنّا باقون على العهد

البيت > مدونة > إنّا باقون على العهد

مدونة | إنّا باقون على العهد

إميل حبيبي

 

إنّا باقون على العهد

 

هل كُتب على الذين نالوا نصيبهم من المأساة الفلسطينيّة فما وهنوا وما صغّروا أكتافهم, أن يحرموا من نصيبهم من العرس الفلسطيني حين تنصب موائده؟!

خفتُ من نفسي حين وجدتني أصرخ, في مواجهة هذه الفاجعه المفاجئه : الله يستر على النّاصره وشعبها كله من هول هذه الخسارة التي لا تعوّض.

برحيل أبي الأمين, المفاجيء والكارثي, خسرنا المرساة التي ثبتت سفينة شعبنا في مينائها الأم – الوطن – في مواجهة الأمواج الجارفة والدوامات المغرقة . لقد عاش حياته كلها شأنه شأن المرساة مرتبطاً بالجذور ومعبراً عن جيرانه المباشرين – الينابيع الباطنيّة. فلم يكن صدفة أن اختاره شعبه, المرّة تلو المرّة ومنذ العام 1974 والعام 1975 منبراً له شامخاً في السلطة التشريعيّة ورئيساً من صميم قلبه رئيساً للبلديّة, فما من شاعر عبّر عن نصيبنا المنسي من المأساة الفلسطينيّة أحسن مما عبّر هذا الشّاعر. وما من قائد سياسي أسهم في التحضير للعرس الفلسطيني مثلما أسهم هذا القائد :

" أناديكم ..

أشد على أياديكم ..

أبوس الأرض تحت نعالكم ..

وأقول أفديكم

وأهديكم ضيا عيني ..

ودفء القلب أعطيكم ..

فمأساتي التي أحيا ..

نصيبي من مآسيكم .. "

توفيق زيّاد لم يكن مجرد معبر واضح عن نصيبنا من مأساة شعبنا, بل كان هو نفسه, طول حياته, التعبير الشّامل عن هذا النصيب, من سجن ونفي وتعذيب وبطالة ومنع تجول ومختلف موبقات الإضطهاد القومي. كان بيته في الناصره هدفاً ثابتاً لهجمات الشّرطة كلما قام أهل النّاصرة بحركة إحتجاجيّة. ولمّا خطب بالعبريّة في الكنيست لأوّل مرّة قاطعه أحد النواب : من أين تعلّمت هذه العبريّة؟ فأجابه: في سجونكُم.

أبو الأمين هو من القلائل في هذه الدّنيا الذين لا يستطيعون إلّا أن يعطوا كل ما لديهم في إي عمل إجتماعي يؤديه. كان صديقاً شخصياً للشّاعر التركي ناظم حكمت, وكان التقاه في اجتماعات حركة السّلام العالميّة, وناظم حكمت هو القائل: "إذا لم تحترق أنت وأحترق أنا ونحترق نحن فكيف يخرج من هذه الظلمات نور؟" وتوفيق زيّاد جعل من هذا القول نهجاً يوميّاً لحياته.

لقد اتفقنا على طول الطّريق ومنذ نعومة أظفارنا, وما آلمني شيء أكثر من الإختلاف معه في أي موقف, وقيل أنّنا كنّا نتشابه في قسمات الوجه, وكثيراً ما وجدت النّاس يخلطون بينه وبيني, وهذا كان شأنه هو أيضاً, أمّا الآن فبقيتُ وحيداً ولم يعد من الممكن حدوث مثل هذا الخطأ. فالعالم كله شاهد عبر شاشات التلفزيون التشييع المهيب لجثمانه إلى مقرّه الأخير تعبيراً مهيباً عن محبّة هذا الشعب لهاذا القائد الفذ الأصيل الذي لم يكتف بالكلام عن "المنجزات والكرامة" بل حقّق لشعب النّاصرة  منجزات حضاريّة في الطريق, إلى العام الفين – في البناء والتعمير وفي الفكر النيّر ووحدة الصّف.

وفي كلّ مكان تواجهنا صورته الباشّة وتحتها قوله الشّهير: " يا شعبي يا عود النّد, إنّا باقون على العهد ". وكان الكبار والصغار يبكون دون من حاجة إلى مسح الدّمع بابتسامة ولكنّنا كنا نتذكّر قوله : " وأعطي نصف عمري للذي يجعل طفلاً باكياً يضحك " .

لقد صدق زميله في الكنيست هاشم محاميد في قوله بأن الخسارة هي خسارة لا تعوّض. لقد شاء القدر أن يرحل قبل أوان رحيله حيث كان الدور علينا لا عليه. فلا يبقى أمامنا من طريقٍ للتعبير عن عرفان الجميل له من قبل شعبٍ بأسره سوى أن نبدي استعدادنا لتقديم كل عونٍ لمواصلة مشواره فيما بقي لنا من عمر, وهذا , أمام فداحة الخسارة , هو أضعف الإيمان .

اخبارنا

شهادات على القرن الفلسطيني الأول

2017-03-16 11:34:23 | الياس نصر الله

شهادات على القرن الفلسطيني الأول للكاتب الياس نصر الله

>> المزيد |