توفيق زياد ....

البيت > قالوا عنه > توفيق زياد ....

قالوا عنه | توفيق زياد ....

سميح القاسم

 



توفيق زيّاد ....

 

      أن أضعك في كلمات فذلك يعني أن أضع حقلا من شقائق النعمان والنرجس البري في مزهريّة.

     لن أضعك في كلمات, أستذكر فقط, أستذكر قسماتك الممتحنة المصهورة بالعذاب في قراءة شعريّة ... في خطبة ممهورة بالصودا الكاوية, على مرتفع حجري من ساحة في قرية, أو على منبر مرتجل في باحة في مدينة .. ولأنني لا أذكرك إلا حيّا صاخبا متفجرا بعطر الكادحين وعرق السنابل والورد, فكيف لي أن أقترب من جسدك المسجى – مثل خطأ مطبعي – أمام جماهير اعتادت أن تصغي كي تتكلم أنت, وها هي اليوم تصرخ وجعا إزاء صمتك المطبق – خطأ صمتك المطبق – خطأ حياتك المطبعي ؟!

     لا, لن أقترب من لا منطق موتك, في هذا الزمن المحتدم باختلاط العناصر المتناقضة  الدم والسخرية .. الوطن والخونة .. الراية والمرتزقة .. موتك الصّادق الأصيل والحياة الزائفة الكاذبة التي لا " يتمتع " بها مهرجون سفلة, دفعوك في الماضي خلف قاماتهم المزورة, ليسرقوا مجدك, ويوم لم يبق لك من المجد سوى عذاب الحقيقة وأصالة النضال فقد تحولوا إلى هتّافة في سيرك النقيض, وباعة شوارع في سوق المثلث المدنّس !

     أخي ورفيقي توفيق,

     لطالما حذّرناك من الموت احتراقا بجمرة سيجارة ... ولطالما حذّرناك من الموت تلاشيا في عنقود عنب .. لكنك آثرت أن تفاجئنا, كعادتك في خرق العادة, وارتأيت أن تصارع ثيران الفولاذ بعد انتصاراتك على ثيران الكلمات والمواقف, في كل ميدان وعلى أيّة ساحة.

     وهكذا إذن, فإنك أيها الرجل, تفي بجميع التزاماتك, أمام شعبك ووطنك, ولا تخل إلّا بالتزامكإزاء نفسك, وبالعهد الذي قطعته على نفسك, بأن تعثر على وقت ضائع في الوقت الضائع, لتعيد صياغة أوراقك القديمة ولتعاود المغامرة الشعرية والإقتحام الأدبي في مطاوي التاريخ وغياهب الذّاكرة الشّخصية والقوميّة معا.

     وأن أضعك في كلمات, فذلك يعني أن أضع بحرنا الأبيض المتوسط في أكواريوم منزلي .

ولن أضعك في كلمات, ذلك أن بضعة حيّة من مصدر الكلمات الحي .. ولا يبيح لي وجعي عليك متعة الصيغ الإنشائيّة الدقيقة الرقيقة المتقنة بلمساتها الأخيرة .. ولا يتيح لي سخطي على موتك فرصة للتصرف الحر والمحايد بما تبّقى لي من حياتي.

     أخي الأمين, يا أبا الأمين,

     أصارحك بأنني لا أجد في هذه الحياة كثيرا مما يغري بالإسراف في الحياة, ولا أسمّي ذلك يأسا, أسمّيه واقعيّة, ولنكن واقعيين بما يكفينا لرؤية صورتنا خارج المرايا المقعرة أو المحدّبة. وبعد ذلك فقط, بعد ذلك فقط نستطيع التأكد من مقدار صوابنا ومدى ضلال العالم, وآنذاك نستطيع العودة بهدوء إلى مطلع أهملناه قبل أربعين عاما ووردة الخبيزة الباقية على عهدها الأول بجوار منزل مهدوم ومنزل يصارع الهدم ومنزل يتناسل منازل وأجيالا وشعراء.

     وهكذا إذن, فلن أضعك في كلمات, قد أفعل ذلك يوم أحس بدنو أجلي, وإلى أن تبدأ نملة خرمشة الموت على أطراف الجسد, فسنذكرك في ما تبقى لنا من فرص الأفراح الصغيرة, وسنذكرك في ما تبقى من قراءات شعريّة, مهرجانات وتظاهرات, وستظل لإسمك مساحة من الدم على منشور في يوم الأرض, أو يوم النصر على النازية أو يوم الأم ويوم المرأة العالمي ويوم الدولة الفلسطينية, ويوم افتتاح الإحتفالات في أعياد الناصرة 2000.

     لن تكون هنا, وستكون هنا, في أيّام العرب وأيّام الإنسان الصّاعد من موته على موته إلى أفق نظيف من عالم نظيف .. ستكون هنا مع كل الشهداء والمناضلين الأبرار .. ستكون هنا مع زيتونة في ساحة الدار نقشت عليها اسمك وصورتك وتاريخ قلبك .. مع ليلكة تحفظ سرّك .. ومع أطفال بلا عد, أعطيتهم عمرك كله, ليضحكوا ويكبروا في عالم أفضل وليعملوا من أجل عالم أجمل, عالم رسمت قصيدتك النّازفة قسماتك وجهه الجميل الجليل النبيل.

     سنلتقي, بلا ريب, لكننا سنشتاق اليك كثيرا إلى أن يكون اللقاء, وسيرهقنا هذا الفراغ الهائل الذي تركته وراءك, برحيلك, خطأك المطبعي هذا, المميت ...

اخبارنا

شهادات على القرن الفلسطيني الأول

2017-03-16 11:34:23 | الياس نصر الله

شهادات على القرن الفلسطيني الأول للكاتب الياس نصر الله

>> المزيد |