توفيق زيّاد والصّدق في البوح الشعري

البيت > مدونة > توفيق زيّاد والصّدق في البوح الشعري

مدونة | توفيق زيّاد والصّدق في البوح الشعري

توفيق زيّاد والصّدق في البَوح الشّعريّ

 





 

د. نبيه القاسم

الجمعة 4/7/2014

 

يقول في آخر مقابلة تلفزيونيّة مطولة معه سجلها تلفزيون "دبي" قبل أسابيع من وفاته وأعادت "الاتحاد" نشرها يوم 12آب 1994: النكبة أثّرت تأثيرا عميقا فيّ وفي جيلي بشكل عام، وبشكل خاص في مثقّفي شعبنا، وانغمسنا في معركة الكتابة، وفي المعركة الحياتية اليومية، وفي الظروف الجديدة القاسية جدا التي نشأت في أعقاب النكبة

 

توفيق زيّاد أحد الشعراء الذين حملوا همّ الإنسان العربي الفلسطيني في هذه البلاد بعد نكبة شعبنا عام 1948 ورفعوا صوته مطالبين بالعدالة الاجتماعية والمساواة وتوفير الحاجيات لكل فرد، والاعتراف به اعترافا كاملا كمواطن له كل الحقوق. وكان لخصوصيّة وضع الجماهير العربية الباقية، وتوزّعها على قرى تفتقر لمعظم الحاجات الأساسية من مدارس  وتوفير فرص عمل  ثابتة، ومراكز صحية ووسائل اتصال مريحة، إضافة إلى فَرض الحكم العسكري، والتحكم ّبتنقّل السكان داخل البلاد، أنْ فرضت على الشاعر،لفترة من الزمن،أن ينشغل بأوضاع شعبه ومتطلباته الأساسية دون الالتفات إلى القيمة الفنية للقصيدة  التي يكتب، ولهذا اتّسمت قصائد شعرائنا حتى السنوات الأولى من ستينات القرن الماضي  بالتّقليد والسّطحيّة والخطابيّة المباشرة، وبافتقارها لكثير من السّمات الفنيّة التي عرفتها القصيدة في العالم العربي.
ما ميّز توفيق زيّاد وحبّب شعره للناس أنّه انطلق من كونه إنسانا، وابنا للطبقة الفقيرة الكادحة، معتنقا المبادئ الشيوعيّة التي تنادي بحق كل انسان في الحياة بكرامة وحريّة، ووقوفه في صفّ الناس، والدّفاع عنهم، وإسماع صوتهم بلغة الناس البسيطة، وبالعَفَويّة الجميلة، والصّدق في البَوح الشعري المتدفّق بإيقاعيّة أخّاذة تأسرُ وتشدّ وتحرّض. 
لا أبغي في كلمتي هذه أن أقدّم دراسة حول شعر وإبداعات توفيق زياد، وإنما أريد أن أقف عند بعض المحاور الأساسيّة التي برزت في شعره وهي: 

 


*الأوّل: الشعور الإنساني وحبّ الناس*


 أبرز الشاعر مشاعره الإنسانيّة في الكثير من المواقف، خاصة تلك التي تحدّث فيها عن حبّه للناس البسطاء، وصوّر حياتهم البائسة المحتاجة كل مساعدة:
إنْ عشتُ شقيّا
سأموتُ سعيدا
لو قَدرتْ كلماتي
أنْ تفرحَ بعضَ الناس
لو أمكن، في المستقبل
أنْ يقرأها في كرّاس 
وتتجلّى المشاعر الإنسانية المتدفّقة بإيقاعيّة طبيعيّة، لا تكلّف فيها في كلماته:
يا شعبي..!!
يا عود الندّ..!!
يا أغلى من روحي عندي
إنّا باقون ..
على العهد.!!
ويخاطبهم بصدق المحبّ:
أحبّ لو استطعتُ بلحظة
أنْ أقلبَ الدنيا لكم: رأسا على عقب
وأقطع دابرَ الطغيان
أحرق كلّ مغتصب.
وقوله:
وأعطي نصفَ عمري
للذي يجعل طفلا باكيا يضحك
وأعطي نصفَه الثاني
لأحمي زهرة خضراء أن تهلك.
انسانيّته هذه، والتزامه المبدئي، دفعاه لينشغلَ بقضايا الناس اليومية ويصرخَ صرختهم ويشكو حالتهم: 
ضرائب من كل لون وجنس
تلصّ من الجيب آخر فلس
وتترك أطفالنا جائعين
يهيمون .. بين المزابل.. يلتقطون
نفايا ما يأكل المترفون.
ويصوّر نساء القرية البائسات:
ونسوتنا البائسات عرايا- يلاقين من عيشهن البلايا
عجائز جسما وسنّا صبايا وأخبارهنّ "حكايا بَلايا"
لكنّه يصف حالتهم الانسانيّة وفرحتهم الطبيعيّة ومحبّة الواحد للآخر:
غدا العيد فالأرض شذا، ووعود
والليلة صافية، بستان نجوم، وعباءة أحلام وسلام
والقرية لا تغفو فالليلة عيد.
ويكون هو الحارس الأمين السّاهر على مصالح الناس الشّاد بيدهم لصنع المستقبل:
على مَهلي أشدّ الضوء خيطا ريقا من ظلمة الليل
وأرعى مشتل الأحلام عند منابع السّيل وأمسح دمعَ أحبّائي
بمنديل من الفلّ وأغرسُ أنضرَ الواحات وسط حرائق الرّمل
وأبني للصعاليك الحياةَ من الشّذا والخير والعدل.
هذا التمركز في هموم الناس ومشاكلهم فرضَ على الشاعر أنْ يتحدّث بلغتهم البسيطة المفهومة لكل واحد، وجرّته إلى التقريرية المباشرة التي تصل إلى حدّ النثرية التي طغت على كثير من قصائد الشعراء. فالهدف كان تصوير حياة الناس، والتحدّث عن همومهم، ورفع صوتهم، وإسماع المسؤولين طلباتهم. لم يكن هدف الشاعر حينها أن يكتب القصيدة العصماء وإنما القصيدة التي يفهمها الناس، وتحكي همومهم ويحفظونها،  وكما قال محمود درويش حينها:
أجمل الأشعار ما يحفظه عن ظهر قلب
كلّ قارئ
فإذا لم يشرب الناس أناشيدك شرب
قل، أنا وحدي خاطئ.

 

*الثاني: الخطابيّة المباشرة*


كون توفيق زيّاد شيوعيّا ماركسيا، ينتمي إلى شعب سُرِقَتْ بلادُه، وهجّر معظمُه، وتعيش الأقلية الباقية في ظل أحكام عسكرية وقوانين عنصرية، تبيح انتهاكَ حريّة الفرد، وتُصادر أرضه، وتعزله عن لغته وتاريخه وحضارته، كل هذا جعل توفيق زيّاد ينحاز إلى جانب الناس، ويُسَخّر موهبتَه في نُصرة قضيّتهم، ممّا ميّز شعره بالخطابيّة المباشرة، لأنه أراد أنْ يخاطبهم بلغتهم، كي يفهموه، ويتفاعلوا معه، وينطلقوا معا لتغيير الواقع وتحقيق الآمال والأحلام:
أناديكم
أشدّ على أياديكم
أبوس الأرضَ تحت نعالكم
وأقول: أفديكم.
وبإصرار واضح مُتَحدّ يُخاطب الحاكم الظالم:
هنا.. على صدوركم باقون كالجدار
في حلوقكم
كقطعة الزجاج، كالصبّار.
الحياة الفريدة والخاصّة لجماهيرنا البسيطة بعد عام النكبة، حيث لم تكن أيّ امكانيّة للتواصل معها إلّا بالكلمة المسموعة والخطاب المباشر. فرضت هذه الخطابيّة وهذه المباشرة. لكن شاعرنا توفيق زيّاد عرف كيف يجمّل هذه الخطابيّة، ويُحبّبها للناس بإيقاعيّة حروف كلماته وبساطة تعابيره، وتَطعيمها بالكلام الشعبي العاميّ المنثور في كلام الناس، وبصدق مشاعره التي يُحسّها كلّ سامع وقارئ لكلماته.

 

*الثالث: الوطني/ الأممي*


مُعايشة توفيق زيّاد لمراحل نضالات الشعب الفلسطيني ضدّ الانتداب البريطاني أوّلا، ثمّ ضدّ سياسات الحكومات الإسرائيلية بعد قيام الدولة، جعله يَعي حجمَ المأساة التي ألمتْ بشعبه، وواجبَه تجاه هذا الشعب، وهو يقول في آخر مقابلة تلفزيونيّة مطولة معه سجلها تلفزيون "دبي" قبل أسابيع من وفاته وأعادت "الاتحاد" نشرها يوم 12آب 1994: النكبة أثّرت تأثيرا عميقا فيّ وفي جيلي بشكل عام، وبشكل خاص في مثقّفي شعبنا، وانغمسنا في معركة الكتابة، وفي المعركة الحياتية اليومية، وفي الظروف الجديدة القاسية جدا التي نشأت في أعقاب النكبة.
واعتناق زيّاد للفكر الشيوعي جعله يربط بين قضية الشعب الفلسطيني وقضايا الشعوب الأخرى في الجزائر وفيتنام وكوبا وغيرها. فرفض التقوقع القومي وتغنّى بحريّة كلّ الشعوب:
قالوا: شيوعيون. قلتُ: أجلّهم
حمرا بعزمهم الشعوب تحرّر
قالوا: شيوعيون. قلتُ: منيّة
موقوتة للظالمين تُقدّر
وظلت مأساة شعبه الفلسطيني شاغلتَه الأساس، وهموم البسطاء همومه، والحنين للغيّاب الذين هجّروا لا ينقطع:
أحبّائي !!
برمشِ العين،
أفرشُ دربَ عودتكم،
برمش العين.
وأحضنُ جرحكم،
وألمّ شوكَ الدّربِ،
بالجفنين.
وينادي بلاده المسبية، وبحرقة:
أجيبيني!
أنادي جرحَك المملوء ملحا، يا فلسطيني!
أناديه واصرخُ:
ذوّبيني فيه..صُبّيني.
أنا ابنك! خَلّفتني ها هنا المأساة،
عنقا تحتَ سكين.
ويتألم لحالة بلده المسبيّة:
على الصلبان مَنْسيّة
بلادي زهرة الدنيا، وعود النّدْ
عروس في زمان السلم مَسبيّة.
ويؤكد حرصَه على وطنه، وعلى تمسّكه بكلّ ذرّة تراب:
بأسناني،
سأحمي كلّ شبر من ثرى وطني
بأسناني.
ولن أرضى بديلا عنه
لو عُلّقْتُ
من شريان شرياني.
ويخاطبُ الوطنَ بكل ما يكنّه له من حبّ:
نحن أصحابك فأبشر يا وطن
نحن عشّاقك فأشر يا وطن
ننحتُ الصّخرَ ونبني ونُعَمّر
ونلوكُ القَيْدَ حتى نتحرّر
نجمع الأزهار والحلوى
ونمشي في اللهيب
نبذل الغالي ليبقى
رأسُك المرفوع.. مرفوعا
على مرّ الزمن
نحن أصحابك..
عشّاقك..
فأبشر..
يا وطن.!!
لكن هذا التمسّك بحقّه في الوطن وحبّ الناس لم يمنعه من إظهار موقفه المبدئي في حبّه للإنسان حتى ولو كان من الشعب الذي سبّب نكبة شعبه وتهجيره:
أنا لم أكره يهوديّا، فكره الشعب لم يدخل عروقي
ويدي ممدودة للشعب، للعمال، هم صحبي وإخوان طريقي
          إنّما أكره، كره الحرّ، حكما جائرا نشّف ريقي
أنا لم أكره يهوديّا، فكره الشعب لم يدخل دمي
إنْ يكن حكّامه اغتصبوا شعبي وأرضي فأنا
دائما أوقفتُ للشعبين، حتى النصر، قلبي وفمي.
هكذا انطلق توفيق زيّاد في شعره بين هذه المحاور الثلاثة ليرسم ملحمة الشعب الذي لا يرضى إلّا أن يعيش بكرامة وأنَفَة وإصْرار على تحقيق حلمه.
وفي هذه الذكرى الغالية لأعزّ الناس، الذي تركنا فجأة، وهو في قمّة عَطائه، أستحضرُ مَقاطعَ من كلماتِ شاعرنا المرحوم محمود درويش في رثاء رفيقه توفيق زيّاد:
"نشيدُ توفيق زيّاد، الذي نحتَه من عَتَبة بيته الفقير في الجليل، سرعان ما تحوّل إلى صوت الفقراء الحالمين برغيف نظيف وحريّة عاديّة. لقد حفرَ اسمَه الشخصيّ والجماعيّ، في آن، على جذع زيتونة صارت هويّة، لا لأنّ الذّائقة العامّة عثرت فيه على مرآة واضحة لصورتها، وعلى معنى أوضح لكرامة السنديان فيها فقط، بل لأنّه رمى في بحيرة الشعرالساكنة،أحجارا حرّكت الموج، فلم تعُد "أنا"الشاعر تُقيم في داخله وحدَه، بل صار في وسعها أن تكون مَشهدا عموميّا تمرّ فيها السابلة. هكذا ارتفعت درجة الحرارة في الكلمات، وسارَ الشعرُ إلى طقسه الاحتفالي العام. وصار جزءا من حياة، حياة مأهولة بالسكان.. بأسمائهم وأشيائهم وغُربائهم. كان توفيق زياد يصيرُ إلى ظاهرة: إلى قائد وإلى بطل ورمز، يُلهب الحماسة والمرَحَ، ويزوّج الحرير للحديد. وكان هو ، كما هو، هو الحماسة والمرح، هو الحديد والحرير، وهو الحثّ على الحياة، وعلى حبّ الحياة حتى نَشوَة الصّعاليك. هو أحدُ أبراج القلاع الأخيرة، ذات الأجراس القُصوى، المطلّة على جهات اللازورد وعلى شمال الباقين، حيث هم، في عيد العلاقة الأبديّة- الأخضر والأسود.. بين شعب وأرض وتاريخ. هو العلامة الشاهقة على شموليّة الواجب، وعلى وحدة المستويات المنسجمة في ذات الفرد. وهو أحد أسماء الجليل العالي، العالي إلى ما لا نهاية. وفيه، أكثر ممّا في سواه، التموّج الهادئ والعاصف بين صَلابة الفَرفَحينة وبين سيولة الرّخام."

اخبارنا

شهادات على القرن الفلسطيني الأول

2017-03-16 11:34:23 | الياس نصر الله

شهادات على القرن الفلسطيني الأول للكاتب الياس نصر الله

>> المزيد |