فتّشت عنك في الحارات القديمة

البيت > مدونة > فتّشت عنك في الحارات القديمة

مدونة | فتّشت عنك في الحارات القديمة

فتّشتُ عنكَ في الحارات القديمة

 





 

محمد علي طه

الجمعة 4/7/2014

 

  • يدخل أبو الأمين النّادي الكابوليّ المحتشد بمحبّيه ليلقي خطابه الانتخابيّ في العام 1977. اسمحوا لي أن أبكي لما شاهدته اليوم، فقد اعتدّت أن آتي إلى كابول فأجد "الحسين" وثلاثة أو أربعة آخرين وأمّا اليوم فهذا الحشد الهائل من رجال ونساء وأطفال وشيوخ وشبّان وجامعيّين وعمّال وفلاحين لم أتصوّره. الدّنيا بخير. الدنّيا تغيّرت. وتهمس امرأة من الصّفّ الأوّل: أنت الذي غيّرتها.

 

*مفتاح*

أصارحكَ يا رفيقي وصديقي توفيق كما كنتُ صريحا معك دائما وكنت صريحا معي كعادتكَ، في سنوات الصّداقة التي ربطتنا معاً بخيط أخضر نسجته ديدان القزّ، أنّني دعوتكَ مرّة بعد مرّة في الشّهور السّابقة وشاورتكَ وناقشتكَ وجادلتكَ محاولا أن أستنير بسقط زندكَ عسى أن نشلّ أيدي فرقة الرّماة، قبل إطلاق سهامها في ساحة الإعدام على الشّابّ الجميل الذي احتفلنا بميلاده قبل أربعة عقود في فندق غراند نيو، ولكنّ الرّياح لم تأبه بآهات السّفن، كما أنّ الزّلزال لم تلجم زلزلته أو تؤخّر هيجانها نظريّات العلماء العصريّة التّكنولوجيّة أو تعاويذ المشعوذين الذين عاشوا في ظلّ السّنديانة. كم كان مبدعا صادقا ذلك الأديب الذي أورث البشريّة سفر الجامعة وكم كنّا بلهاء حينما وضعنا سلّة البيض البلديّ في خيمة السّيّدة سُميّة التي حلفت بشرفها الذي صانته تحت الرّاية ألا تخوننا.

 


(1)
بعد التاسع من كانون الأول من العام الخامس والسّبعين من القرن العشرين هاتفتكَ مهنّئا مباركا وأخبرتكَ مثلما أخبرت اليمامة نوحا أنّني سأحضر مع وفد من معلمي الكليّة الأرثوذكسيّة العربيّة لتهنئتكَ/كم بالفوز الباهر الذي أهدانا وردا في الشّتاء، وشعاعا في الليل، وجمرةً في كانون، وكان فاصلا ومِفصلا بين ما كان وبين ما يكون، فقلتَ: ليكن اللقاء في فندق غراند نيو. وهكذا كان. كم كنتَ سعيدا بهذا اللقاء وتردّد: معلّمون يأتون علانيةً ليفرحوا معنا. الدّنيا تغيّرت تغيّرت!! ورثينا معا للذي غنّى له أولادنا (هزّي يا نواعم) وسخرنا من الملك الأبله المأفون القاعد على وتد فاخورة مسمار.

 


(2)
في النّصف الثّاني من آب من العام الذي صار فيه جزّار نيسان رئيسا للحكومة وفي عنقه ضحايا الملك داوود، كنتُ عائدا إلى الوطن من جزيرة الحريّة وفي قلبي سعادة لا توصف وما أن لامست قدماي أرض مطار اللد حتّى أحاط بي ثلاثة ثيران، واختطف أحدهم جواز سفري وبرطع. وتأبّط الآخران ذراعيّ وقاداني لننتظر وصول حقيبتي. لم أفرك فصّ الخاتم وما كان معي مصباح علاء الدّين ولم أقرأ آية الكرسيّ أو المعوَّذتين ولكنّ توفيق يُفاجئني: أأنت معتقل؟ لا أدري. هل معكما أمر قضائيّ باعتقاله؟ هذا ليس من اختصاصكَ. افعل ما أقوله لك، سأتناول هذا من تلابيبه وأدفعه جانباً فافعلْ مع الآخر الشيء ذاته. ولكنّهما أقوى منّا جسديًّا يا رفيق. لا يهمّ، افعلْ ما أقوله لك. ويدفع توفيقٌ رجل الأمن بقوّة وأفعل مثله، ويصرخ بصوته الذي عرفته ساحات الأوّل من أيّار وميادين يوم الأرض وقاعة الكنيست: يا فاشست لماذا تعتقلونه؟ ويعيد الكرّة وأعيدها معه ويصرخ ويصرخ. ويجتمع العشرات حولنا، إسرائيليّون وأجانب، صفر وشقر وسمر، وصوته يهدر. ويأتي من بعيد مدير أمن المطار حاملا جواز سفري ويناولني إيّاه قائلا: مع السلامةِ.
عندما زرتهُ في البلديّة بعد أيّام حاملا له هديّتي، علبة من السيجار الهافانيّ الذي كان يحبّه، سألته: من أين لك هذه الشّجاعة؟ فأجابني بما قاله أبو الطّيّب المتنبّيّ قبل ألف عام.

 


(3)
يزورنا في بيتنا، بيته، في أوائل الثّمانينات بدون موعد فيرحّب به شابّان يافعان. أهلا عمّو توفيق! 
يسألهما: أين أخوكما؟ 
- أيَّ أخٍ تقصد؟ يردّ أكبرهما.
- أخوكما الكبير محمّد. 
يضحك الشّابّان الصّغيران ويقول أكبرهما: محمّد أبونا يا عمّاه.
ويشكّ بالإجابة. بلاش ولدنة انت وهو. أين أخوكما؟ 
ويقول الشابّ الصّغير: يا عمّي توفيق. هذا أخي عليّ وأنا اسمي معاوية وأبونا محمّد، سوف يحضر بعد دقائق. صدّقنا فنحن لا نمزح مع الكبارِ.
ويحتضنهما واحدًا بعد الآخر. ويَروي فيما بعد لأصدقائه ما شاهده.

 


 ( 4)
يسيرُ وسط صفّين من الشّابّات والشّبّان يمتدّان على مسافة مائة متر وقفوا لاستقباله، ويعلو صوت الهتاف الوطنيّ، وتصدح زغاريد النّساء، ويدخل أبو الأمين النّادي الكابوليّ المحتشد بمحبّيه ليلقي خطابه الانتخابيّ في العام 1977.
اسمحوا لي أن أبكي لما شاهدته اليوم، فقد اعتدّت أن آتي إلى كابول فأجد "الحسين" وثلاثة أو أربعة آخرين وأمّا اليوم فهذا الحشد الهائل من رجال ونساء وأطفال وشيوخ وشبّان وجامعيّين وعمّال وفلاحين لم أتصوّره. الدّنيا بخير. الدنّيا تغيّرت. 
وتهمس امرأة من الصّفّ الأوّل: أنت الذي غيّرتها.

 


 ( 5)
تدعونا لجنة الطّلاب العرب في جامعة حيفا لندوة سياسيّة وبعد مداخلتينا انهالت الأسئلة. ويشرح توفيق البرنامج السياسيّ الجبهويّ لحلّ الصّراع الإسرائيليّ – الفلسطينيّ. دولتان لشعبين. دولة فلسطينيّة على الأراضي المحتلّة في العام 1967 وعاصمتها القدس الشرقيّة. وعدد غير قليل من الطّلاب الجامعيّين لا يوافق على هذا الطّرح. من الذي خوّلكم التّنازل عن يافا وعن حيفا وعن عكّا وعن صفد وعن بيسان وعن اللد وعن الرّملة وعن الطّنطورة وعن وعن؟ ومن الذي خوّلكم التّنازل عن قريتي؟ الشّعب الفلسطينيّ لم يفوّضكم. فلسطيننا من البحر إلى النّهر ومن النّهر إلى البحر. 
ويتحدّث توفيق بهدوء. المعركة ليست على يافا وعكّا وحيفا. المعركة على الخليل ونابلس وجنين وطولكرم وقلقيلية ورام الله يا أبناءنا. 
وسمعان لا يسمع. 
من البحر إلى النّهر نريدها.
ويقول بهدوء مخاطبا أحدهم: يا حبيبي هل حرّرتها من البحر إلى النّهر وعارضتكَ؟

 


  ( 6)
في العام الثّالث والثّمانين من القرن الذي رحل ولن يعود، كان توفيق ضيفنا الكبير في عرس أخي الأصغر في مطعم طمرة. واشهد يا عالم علينا وعَ بيروت. وصفّ العسكر. ونحمل بنت الكرم وتحملنا. ويرى عاشق التّراث مناديل الأويا على رؤوس قريباتي القرويّات فيتخلّى عن وقار رئيس البلديّة وعن رسميّات البرلمانيّ وعن مهابة القائد ويحضر الشّعر والتّراث وتسيطر العفويّة والشّعبيّة والمحبّة وتجمع أنامله المناديل الفلسطينيّة الجميلة عن الرّؤوس واحدا بعد الآخر. وتشكو امرأة فاضلة: كيف أعود إلى القريّة سافرةً؟ 
تقول رفيقته في الحياة وفي ذلك العرس بعد أربعة عقود: المناديل ما زالت محفوظة في البيت.

 


   ( 7)
نسمع رنين الهاتف بعد الثّانية عشرة ليلا فتقول زوجتي غير متذمّرة: لا أحد يتّصل في مثل هذا الوقت سواه. 
هالو. أنا على بوّابة كابول الغربيّة. حضّر القهوة بسرعة! 
ونشربها معًا حتّى الفجر. 
يا عزيزي توفيق، دعكَ من هذا العنصريّ زئيفي. عندما قلتَ له: أمّك مسطولة. بدأ ينعوص ويقول ما علاقة أمّي بذلك.
أنا لا أقصد زئيفي بل أقصد العنصريّ الأكبر الثّعلب عوزي لنداو.

 


(8)
قالت لي أمّ عليّ: جاء أبو الأمين قبل نصف ساعة ولم يجدك فذهب لشراء الجبنة البيضاء. 
لحقت به إلى معمل الجبنة البلديّة في البيت القديم فسمعتُ ضحكا من بعيد ووجدتُهُ يجلس مع ثلاث عجائز أرامل يشرب الشّاي ويأكل الجبنة البيضاء ويتبادلون الحديث. 
- عمّ كنتَ تتحدث معهنّ يا رجل؟
- وجدتهنّ يعرفنني ويعرفن عملي والحديث معهنّ ممتع ومحزن في آن. هذه المرأة الفاضلة، صاحبة البيت تحمل همّ البيت وهمّ ابنتيها أيضا.

 


 (9)
مضى شهران وعدّة أيّام، يا حادي القافلة، على إضراب سجناء الحريّة عن الطّعام في هذه الأيّام والعشرات منهم مقيّدون بالسلاسل على أسرّة المستشفيات يصارعون الموت، وحكومة الاحتلال تقرّر إطعامهم عنوةً. والأطبّاء الشّرفاء يرفضون. ولا قصيدة، ولا أغنية، ولا "ملحمة سجناء الحريّة" (نيسان- أيّار 1970) التي تدفّقت مثل الشّلال في أثناء إضراب سجناء الحريّة في 1970.
هل غاب الشّعر أم غاب الشّعراء؟ أم غاب توفيق؟.

 


 (10)
تسألني في مؤتمر الحزب الشّيوعيّ: هل كان الشّاعر أراغون مواظبًا على اجتماعات الخليّة ويوزّع المناشير؟ 
- أنت لا تحتاج إلى إجابة.
- وتصعد إلى المنصّة لتناقش بشجاعتك المعهودة قائلاً: كان شرفا للحزب الشيوعيّ الفرنسيّ أن يكون أراغون عضوا في لجنته المركزيّة مع أنّه لم يوزّع المناشير ولم يداوم على اجتماع الخليّة كما هو شرف لهذا الحزب أن يكون سميح القاسم عضوا في لجنته المركزيّة وأن يكون في هذه اللجنة أدباء وفنّانون. 
وتمرّ الأيام ويختفي من السّاحة هؤلاء الذين طعنوا بنهج سميح. ويبقى سميح أبدًا على هذا الطّريق.     

 


    ( 11)
في زيارتكَ الأخيرة لنا قبل أيّام من رحلتك إلى البعيد البعيد انشغلت باللعب مع حفيدي الأوّل محمّد ابن الثّالثة ونسيتنا. 
شكا الحفيدُ لك جدّه الذي يرفضُ أن يشتري له حصانا أو مهرا. وبدأت تروي له بأسلوبكَ الممتع في محادثة الأطفال عن الحصان الخياليّ الذي تربّيه في ساحة بيتكَ وتسقيه الشّراب اللذيذ وتطعمه الكعك والشّوكولاطة. ودعوت الطّفل ليأتي معك إلى النّاصرة ليشاهد الحصان الجميل ويداعبه ويمتطيه. 
وتغادر البيت ومحمّد الصّغير يبكي ويودّ أن يرافقكَ ليرى الجواد العربيّ الأصيل. 
ولم يرَ محمّد الجوادين منذ ذلك الأصيل. 

 


 (12)
لم يرضَ ابني عليّ عن قائمة الجبهة الدّيمقراطيّة للسّلام والمساواة في جولة الانتخابات التي جرت بعد رحيل أبي الأمين، وأعلن أنّه سينتخب قائمة ميرتس الانتخابيّة لأنها الأفضل في رأيه.
حاولتُ أن أثنيه فأصرّ على موقفه. وحاولت أمّه جاهدة كما حاول أخواهُ معاوية ولؤيّ ولكنّه أصرّ على عناده. قلتُ لهم: دعوه فقد ركب رأسه وقرّر أن يُعاند عنادا ميعاريّا.
عاد عليّ إلى البيت بعد الإدلاء بصوته في يوم الانتخابات ونظر إلينا مبتسما وقال: دخلتُ وراء السّتارة فتذكّرتُ طيّب الذّكر فقلتُ: ولو... لأجلك يا أبو الأمين. ووضعتُ الواو في المغلّف. وقرأتُ له الفاتحة.

 


*خاتمة*


افتقدتكَ....
حينما سمعتُ موعظة الشّيخ في خيمة العزاء في يوم الأرض الأخير. 
وحينما انتهك عساكر تيمور الدّجّال حرمة بيوت خليل الرّحمن وكلاب العرب لا تنبح ولا تنعوص.
 وحينما استعادت قاهرة المعزّ لدين الله عزها. 
وحينما استباح التتار الجدد دمشق وبغداد باسم الله أحيانا، وباسم الدّين أحيانا، وباسم الدّيمقراطيّة أحيانا وباسم الشّرعيّة أحيانا، وباسم من لا اسم له أحيانا. 
وحينما أودى الزّلزال بـ "بيت العزّ يا بيتنا".
بحثتُ عنك في شوارع المدينة التي تحبّها، في أحيائها وحواريها وأزقّتها وسوقها القديمة، في الحارة الشرقيّة، في حارة الرّوم، في بير الأمير، في الصفافرة، في سانت غبريئيل، في طلعة مسمار، في مطعم الشيخ، في مطعم أبي الدخل. هيه يا ربحي، يا سمير، يا حنا، يا عبد الله، يا خالد، يا ناس، يا بسطاء، هل شاهدتموه؟ 
هالو.. توفيق هل تسمعني؟ 
أين أنت يا رجل؟ 
أشهد أنّك باقٍ بيننا وتقولُ وتقولُ: ألم أقل لكم "ديرو بالكو على بعض"؟
ماذا فعلتم؟ ماذا فعلتم؟

اخبارنا

شهادات على القرن الفلسطيني الأول

2017-03-16 11:34:23 | الياس نصر الله

شهادات على القرن الفلسطيني الأول للكاتب الياس نصر الله

>> المزيد |