أدب: توفيق زياد - انا هنا باقون فلتشربوا البحر

البيت > مدونة > أدب: توفيق زياد - انا هنا باقون فلتشربوا البحر

مدونة | أدب: توفيق زياد - انا هنا باقون فلتشربوا البحر

أدب :  توفيق زيّاد - انا هنا باقون فلتشربوا البحرَ

د. رياض نعسان آغا

 

 

     منذ أن بدأت الدبابات الإسرائيلية تحاصر مقر القيادة الفلسطينية بعد أن اجتاحت رام الله صباح الجمعه 29.03.2002 لم تعرف العيون النوم, فكل عربي يشعر أنه محاصر, وغصة إحساس بالمهانة تحشرج في حلقه, ولا يجد جوابا لسؤال مظفر النواب : (هل عرب أنتم؟) وقد بدأت إسرائيل تنفيذ حكم الإعدام الجماعي وكسر العظم للشعب الفلسطيني على الملأ العربي والإسلامي على ىشاشات التلفزيون, ليس لأنها بلد ديمقراطي يسمح بحرية الإعلام كما تدعي, فالبلدان التي تحترم أدنى حقوق الإنسان لا تقوم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية على هذا النحو الذي لا تعرف البشرية في تاريخها المديد أشد منه قسوة ووحشية, ولكنها تريد أن تتحدى العرب والمسلمين بل العالم كله, وقد أمعنت بالتحدي حتى بدأت هجومها قبل أن ينفض مؤتمر القمة في بيروت, لتكون حرب الإبادة ردا عمليا على مبادرة السلام الإسرائيلية.

     ولست أدري ماذا سأختار من طيوب الذاكرة حديثا لهذا الأسبوع الذي بدأته الجمعة الحزينة بتعرية العجز العربي والإسلامي, ولم يكن في الأعماق غير هدير قصيدة توفيق زيّاد :

 

هنا باقون ..

كأننا عشرون مستحيل

في اللد والرّملة والجليل

هنا على صدوركم

باقون كالجدار

وفي حلوقكم

كقطعة الزجاج

كالصبار

وفي عيونكم زوبعة من نار

 

     كان الشاعر الفلسطيني الكبير, الصديق يوسف الخطيب قد أصدر في مطلع الستينيات ديوان الوطن المحتل, ليقدم للعرب صوت إخوانهم الذين بقوا في فلسطين, وانقطعت أخبارهم بعد عام ثمانية وأربعين ...

     وكان الصديق الإذاعي المرحوم منير الأحمد (وهو ابن الشاعر الضخم بدوي الجبل), يرنم بصوته الرخيم أشعار الوطن المحتل كل صباح في إذاعة دمشق, في برنامجه الشهير "مرحبا يا صباح" وكان يبث قبيل السابعة, فأضطر الى حمل " راديو ترانسيستور" كيلا يفوتني سماع قصائد محمود درويش وتوفيق زياد وسالم جبران, وأنا في طريقي الصباحي الى المدرسة, وكنت قد بدأت عملي معلما في ذاك العام 1966...

     كانت قصائد محمود درويش وتوفيق زياد تفاجئنا بأن في داخل الكيان الإسرائيلي – كما كنا نسميه آنذاك – عربا فلسطينيين, ما يزالون أحياء يتمسكون بالتراب, ويقاومون الغزاة المحتلين, ويتحدونهم, ويصرون على أنهم فلسطينيون .. وأحسب أن كل أبناء جيلي تغنوا مع الشاعر الشاب محمود درويش بتلك (الفلسطينية العينين والشفتين والوشم) وقال كل لحبيبته : (عيونك شوكة في القلب) ... ولقد حفظت من كثرة التكرار يوم ذاك, قصائد عديدة من (المعتقل) وكنت أتوقف عند وصف توفيق زياد لنكسة الخامس من حزيران بقوله :

انها للخلف كانت خطوة ...

من أجل عشر للأمام ...

     فيخرجني هذا التفاؤل من يأسي, وكان انطلاق الثورة الفلسطينية قبل عامين من النكسة قد أيقظ الأمل في نفوس الجيل, وأطلقته (معركة الكرامة) بعد عام من النكسة, ولم يكن ثمة غير (خيار المقاومة) وقد جسدته حرب تشرين (أكتوبر 1973) في انتصار قلب موازين السياسة في العالم كله ... ونبّه أنصار إسرائيل الى خطورة أن ينتصر العرب مرة ثانية .. كانت قصيدة توفيق زياد ترافق الوجدان :

إنّا هنا باقون,

فلتشربوا البحر,

إذا عطشنا نعصر الصخرا,

ونأكل التراب إن جعنا,

ولا نرحل,

وبالدم الزكي لا نبخل, لا نبخل,

هنا لنا ماض وحاضر ومستقبل ..

     ولم يكن أحد يشك في مصداقية قصيدة الزيّاد كما شك كثيرون في مصداقية غنائية فيروز (سنرجع يوما الى حينا) فقد كان حلم العودة بعيدا آنذاك, لكن فعل البقاء قائم, وحاضر, ولكننا لم نكن نعرف الكثير في تلك الآونة عن أهلنا في "المعتقل" حتى نقل الشعر الينا صوتهم .. وفي مطلع السبعينيات أخذ شعر الأرض المحتلة من وجدان الناس حبا ضاق به الشعراء أنفسهم حتى كتب محمود درويش يقول (ارحمونا من هذا الحب القاسي) .. وأحسب انه أراد أن ينظر الناس الى إبداعه الشعري, بعيدا عن مشاعر الحب الغامرة لقادم من أعماق فلسطين, يقدم رمزا للتشبث بالأرض والجذور..

     ولقد زار محمود درويش دمشق في مطلع الثمانينيات ضيفا على مؤتمر لإتحاد الكتاب العرب, وكنت متلهفا للقاء هذا المبدع الكبير الذي صار نجم الشعر العربي وهو فتى, فذهبت لأرحب به في الفندق الذي كان يقيم فيه وكانت ترافقه زوجته (آنذاك) الأديبة الباحثة الدكتورة رنا صباح قباني, سليلة بيت الإبداع الدمشقي الأصيل وقد وجدت في ذلك اللقاء (العابر) مع محمود درويش, سببا آخر لمقالته (ارحمونا من الحب القاسي) أحسب انه خوفه على نفسه من الغرور وتضخم الذات إزاء ما قوبل به من حفاوة وتكريم على الصعيدين الشخصي والنقدي لم يحظ بهما شاعر عربي قبله, ولم يحظ هو بهما من بعد, وقد غادر الشعر الى قصيدة النثر, فصار شاعر النخبه .... ولم ألتق محمود درويش بعد ذلك ...

     لكنني كنت أرجو أن ألتقي توفيق زياد, وأن أتعرف عليه عن قرب وكان ذلك صعبا, لأن الزيّاد بقي في (المعتقل) ولم يغادره الى (المنفى) .. ولكن مصادفة, لا أنساها, جعلتني قبالة (الزياد) في مطلع التسعينات, فقد كنت في زيارة للقاهرة, وفي مقهى فندق شيبرد, كان ثمة حشد من الكتاب والمبدعين وقد مررت بإحدى الطاولات وقد تحلقت حولها أسرة توهمت أن فيها من عرفني, فألقيت تحية صامتة بإيماءة مجاملة, فرد رب الأسرة التحية بأحسن منها, وقال : أتوقع اني أعرفك, أنت من سورية؟ ..

     قلت نعم.. قال: نحن نعرفك من خلال متابعتنا لبرامجك الثقافية على شاشة التلفزيون السوري .. وكنت أتأمل الرجل بحدس يساورني فأنكره, لكنني قلت : وانا أعرفك .. لكنني لست متأكدا, فأنا أرى صورك في الصحافة .. قال: أنا توفيق زيّاد, وانطلقت أعانقه فرحا به وقلت : وأنا أبحث عن لقائك منذ ثلاثين عاما ..

     ونمت بيني وبين توفيق زيّاد رحمه الله, علاقة مودة صافية, وقد وجدت فيه انسانا متواضعا, رحب الأعماق, سمح النفس, لطيف المعشر, واسع الثقافة والإطلاع.

     كان توفيق يومها عضوا في الكنيست الإسرائيلي, وكنت يومها عضوا في مجلس الشعب السوري, فاحتلت السياسة المساحة الكبرى من أحاديثنا ولكن لم يغب الشعر عن الحوار..

     وقد عرفني توفيق الى رفيق رحلته الروائي الفلسطيني الراحل اميل حبيبي (وكان كذلك عضوا في الكنيست) وكنت معجبا بروايته الشهيرة (المتشائل) لكنني كنت أنتقد بعض تصريحاته السياسية, وهذا ما أوقع لقائنا الأول في سوء تفاهم (لإختلاف وجهات النظر من القضايا السياسية الراهنة آنذاك ولا سيما من اتفاقية أوسلو التي كنا نرى فيها تنازلا سيقود الى سلسلة من التنازلات) لكن دبلوماسية (الزيّاد) اخرجتنا من التوتر الى الرحابة, وقال (اميل) هل أنت مستعد أن تسمع وجهة نظري؟.. قلت : نعم, مستعد أن أسمعها وأن أناقشك, ولكن على الملأ ! وقد سجلت معه حوارا (ساخنا جدا) وقد تم بثه في برنامجي (شهود العصر) .. فأما حواري مع توفيق زيّاد, فقد كان آخر حوار أجراه (لأنه توفي بعد شهور في حادث سير عام 1994) وأحسب أن هذا الحوار هو الوثيقة المتلفزه الوحيدة لتوفيق زيّاد لتلفزيون عربي...

     * حدّثني توفيق زيّاد رحمه الله, عن تأثره بالأدب الروسي, وعن مسيرته في الحزب الشيوعي الإسرائيلي وكان (حزب راكاح) يشكل الفسحة الأرحب المتاحة للعرب للمشاركة في الحياة السياسية داخل إسرائيل, وحدّثني كذلك عن تأثره بالشاعر التركي الكبير ناظم حكمت, ثم عن رئاسته لبلدية الناصرة وتوقفنا طويلا عند شعر الأرض المحتلة, وعند الإتجاهات الأدبية فيه, وقد كان – زياد – أستاذا للأدب, ناقدا نافذ البصيرة, متمكنا من التراث الأدبي العربي, ولعل هذا ما مكنه من أن تصير قصائده جزءا مؤسسا للتراث الفلسطيني الأدبي المعاصر ...

اخبارنا

نوم الغزلان

2017-10-31 08:32:30 | محمد علي طهالأديب محمّد علي طه يوقّع على كتابه الجديد ‘نوم الغزلان‘ في النّاصرة موقع بانيت وصحيفة بانوراما 2017-10-30 14:13:11 - اخر تحديث: 30-10-2017 14:13

>> المزيد |