توفيق زياد حارس الأبراج الطينيّة

البيت > مدونة > توفيق زياد حارس الأبراج الطينيّة

مدونة | توفيق زياد حارس الأبراج الطينيّة

توفيق زيّاد حارس الأبراج الطينيّة

 

قنديل الذاكرة

عند الكلام عن توفيق زياد، لابد أن نرجع بالذاكرة قليلا لنتلمس ما يمكن أن يعنيه توفيق زياد بالنسبة للحالة الشعرية داخل الأرض المحتلة، وما يعنيه بالنسبة للنضال الوطني الفلسطيني بين عرب 48، ولتحديد الملامح الأولية لهذا الأدب نشير إلى أنه لا يمثل «بكاء ولا نواحا ولا يأسا ولكنه إشراق ثوري دائم وأمل يستثير الإعجاب(../..) يتأثر الشعر العربي في الأرض المحتلة بسرعة مذهلة وبتكيف كامل مع الأحداث السياسية العربية ويعتبرها إكمالا لموضوعه وجزا من مهماته.»(1)

ولعلنا نقسم النضال الفلسطيني منذ الكارثة الساحقة بقيام الكيان الصهيوني عام 48، وحركة الهجر الإجبارية التي فرضتها العصابات الصهيونية، وسياسة تدمير القرى التاريخية، والسطو على المنازل ومصادرتها وتدمير بيوت المقاومين، فانقسام عرب فلسطين إلى عرب الداخل وعرب المهجر بتنوعاته، ونشأت حركة المخيمات سواء في الشتات أم في الداخل الفلسطيني التابع للدول العربية(مصر، سوريا، الأردن).

يقف الكثير من مؤرخي أدب المقاومة الذي انبثق بسرعة مذهلة في فلسطين المحتلة، على عام النكسة، والتي انكشفت فيها الأنظمة العربية المهلهلة أمام تنظيم عسكري ابرز تفوقه الإداري فخسر العرب ما تبقى من فلسطين التاريخية(الضفة الغربية وقطاع غزة) بعد حرب حزيران 67 ومن ثم نسوا حدودها، ولعل الأمر لا يخلو من تأمل في أن تتوافق الهزيمة العربية مع انطلاقة الكفاح المسلح الفلسطيني بما كان قائما آنذاك من منظمات فلسطينية وإنشاء منظمة التحرير الفلسطينية التي كانت تشكل فتح الثقل الأكبر فيها من حيث التكوين، وتطور أدب المقاومة في فلسطين بشكل لافت، ذلك الأدب الذي كان يلعب دور المواجهة دائما مع المحتل الغاصب.

والهجرة بالنسبة للذاكرة الفلسطينية لم تتوقف عند ترك فلسطين وإن ظلت هي الحلم المنشود، فهناك حركة النزوح من الأردن والتي ركزت فيها المنظمات الفلسطينية على لبنان بعد أحداث أيلول الأسود، كما تلتها حركة النزوح بعد الخروج من بيروت 82م نحو تونس والسودان واليمن، ومن ثم خلق التوجه نحو التركيز على العمل في داخل الأرض المحتلة وهو العمل الذي مهد لحركة مضادة للهجرة بالعودة إلى الداخل، وإن كانت قليلة العدد بعد اتفاقات السلام.

شتات لداخل مفتوح وخارج مغلق

ولعل تأملا في الوضع الفلسطيني، وعلاقة الإنسان العربية بمسألتين تشكلان خصوصية بالنسبة للإبداع الشعري فيهما، فمن جهة يشكل المخيم في الشتات(سوريا، الأردن، لبنان) بؤرة ثورية حملت معها الرفض وحنين العودة للوطن السليب، مما خلق صورا متعددة عند شعراء الشتات تتعلق بصورة الوطن والأماكن التي يتخلق الحنين إليها والإصرار على النضال من اجل العودة كحق ثابت للفلسطيني، وإذكاء الحلم الذاهب صوب فلسطين، فالمخيم مفتوح في المتخيل على الأرض الموعودة، وتتهيأ النفس نحو الحركة إليها حتى لو بالعمل الفدائي، على الرغم من حصار الأنظمة العربية لهذا المخيم بطرق مرئية ولا مرئية، لذلك كانت القصائد المكتوبة في مثل تلك الأجواء تميل نحو التشكل الدرامي الباكي.

.وفي هذا الصدد تشير سلمى خضراء الجيوسي بقولها: «والفجيعة أو مكان الفجيعة لا يتم بهذا المعنى أيضا لشعراء المقاومة داخل الأرض المحتلة. إن شعر المقاومة يختلف عن شعر النكبة ـ انه يواجه عدوا غريبا، جسما خارج جسد الأمة، كيانا هجينا حاضرا محدد المعالم والملامح. انه عدونا أمام العالم. فالتحدي قدر، والعداوة الشرسة المشاكسة أمر مشروع. إنهم ، إي شعراء المقاومة، لا نحن، ورثة ابراهيم طوقان وعبد الرحيم محمود، أما نحن خارج الأرض المحتلة ، فصراعنا انسكب في أعماقنالان عدونا الأول، كما اكتشفنا باكرا، كان قابعا في ذواتنا ـ انك لا قدر على التحدي إزاء الأخر، إزاء أعدائك الغاصبين القساة، منك إزاء نفسك. إزاء نفسك تتبدل نغمة صوتك، وإذ تبدأ بإدانة ذاتك، فغن صوتك يتوهج بالحزن أيضا، وبالفجيعة. والبطولة في شعرك تتلون هي نفسها بلون الفجيعة ومهما حلقت في شعر فجناحك القوي كسير وتنكفئ، لا بد، راجعا. لاجئا من نفسك على نفسك، ترفضها، ترفض اهلك وأشقاءك وتتحداهم لأنهم لم يتحدوا الزمن، ثم يخنقك صوت الفجيعة.»(2)

كما كان المخيم أرضا في الداخل يرى قاطنه الفلسطيني بلادا على مرمى حجر مالا يستطيع الوصول إليه فيشتعل الحنين إلى الأمكنة القديمة، وتقوم المرارة بما يفتقده المخيم من وسائل حفظ كرامة الإنسان والأمن المستباح من قبل جيش يستمرئ قتل الأطفال، وبالتالي ظل المخيم في هذه الحالة محاصرا بالفعل في قلب الوطن. كذلك ظل جزء من عرب فلسطين في مدنهم، وحملوا الجنسية والهوية للدولة العبرية، لكنهم لم يتخلوا عن هويتهم الثقافية، ولا نضالهم السياسي منذ بدأ الوعي يتخلق لديهم بطبيعة الصراع، وبالتالي خرج الرفض الممتزج مع الحنين ليتشكل في النهاية هذا الغضب الخارجي الذي نشهده في قصائد توفيق زياد، والغضب بتمازج مع الوصف الخارجي أيضا لينفتحا على الحنين الهامس(3).

سيرة مكتملة أو تكاد

توفيق أمين زياد، شاعر وكاتب سياسي فلسطيني من مدينة الناصرة، ولد يوم السابع من أيار(مايو) عام 1932 وتوفي عام 1994م ، في حادث سير عندما كان عائدا ليلاقي ياسر عرفات، وقد توفي والده منذ الصغر فاضطر الاعتماد على نفسه في كل شي وحرص على إكمال تعليمه. سافر إلى الشام وتعلم مهنة التمريض لمدة ثلاث سنوات. كان حلمه أن يصبح طبيبا لكن الظروف السياسية والاقتصادية عرقلت برنامجه, أما والدته فقد اشتغلت في الأرض وفي البيت، وساهمت في العمل مع زوجها. كانت تنهض في الفجر وتعجن عشرات الأرغفة لبيعها في الدكان، لذلك أحب توفيق زياد أغنية سيد درويش التي تقول: «الحلوة دي قامت تعجن في الفجرية». شغل منصب رئاسة بلدية الناصرة حتى وفاته ، كما كان عضوا في الكنيسيت الإسرائيلي لعدّة دورات انتخابية عن الحزب الشيوعي الإسرائيلي راكاح.

لعب توفيق زياد دورا مهما في إضراب أحداث يوم الأرض في 30 مارس 1975م، وقد استهدف بالاغتيال من قبل العدو إلا انه نجا بأعجوبة، لتوفيق زياد العديد من الأعمال الأدبية ، كما قام بترجمة عدد من الأعمال من الأدب الروسي ومن أعمال الشاعر التركي ناظم حكمت.

أعماله الشعرية:

1. أشدّ على أياديكم(مطبعة الاتحاد، حيفا، 1966م).

2. أدفنوا موتاكم وانهضوا(دار العودة، بيروت، 1969م).

3. أغنيات الثورة والغضب(بيروت، 1969م).

4. أم درمان المنجل والسيف والنغم(دار العودة، بيروت، 1970م).

5. شيوعيون(دار العودة، بيروت، 1970م).

6. كلمات مقاتلة(دار الجليل للطباعة والنشر، عكا، 1970م).

7. عمّان في أيلول(مطبعة الاتحاد، حيفا، 1971م).

8. تَهليلة الموت والشهادة(دار العودة، بيروت، 1972م).

9. سجناء الحرية وقصائد أخرى ممنوعة(مطبعة الحكيم، الناصرة، 1973م).

10. الأعمال الشعرية الكاملة(دار العودة، بيروت، 1971م)؛ يشمل ثلاثة دواوين: أشدّ على أياديكم، ادفنوا موتاكم وانهضوا، أغنيات الثورة والغضب.

11. الأعمال الشعرية الكاملة(الأسوار، عكا، 1985م).

أعماله الأخرى:

1. عن الأدب الشعبي الفلسطيني / دراسة( دار العودة، بيروت، 1970م ).

2. نصراوي في الساحة الحمراء / يوميات( مطبعة النهضة، الناصرة، 1973م).

3. صور من الأدب الشعبي الفلسطيني / دراسة(المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1974م).

4. حال الدنيا / حكايات فولكلورية(دار الحرية، الناصرة، 1975م).(4)

أمام البرج

يبدو أن الشاعر مهما كانت شاعريته يعيش في عصر يتواصل فيه مع شعراء من أمثاله، وهو يمتح من تراث هم في نهاية المطاف ورثته الحقيقيون كما شكل ابراهيم طوقان ومن سبقهم من الشعراء الذين ارسوا تقاليد الشعرية المقاومة، وعبروا بما استطاعوا عن التزامهم بقضايا شعبهم، فهم في سدة المواجهة، تلك التي تعبر عن التطلع الإنساني نحو الحرية والإصرار على ثلاثية أرفض أقاوم، انتصر، على الرغم التصدعات التي تحدث.

فنجد أن توفيق زياد ينتمي إلى ذات المدرسة التي ينتمي إليها كل من سميح القاسم، ومحمود درويش وسالم جبران(5) على أنهم جميعا قد انطلقوا من تجربتهم النضالية في أوساط الجماهير العربية في فلسطين المحتلة، وانتمى بعضهم إلى التيار اليساري، ولكن في النهاية غادروا تلك المواقع لانكشاف الوضع الصراعي على مستوى الوجود، وبالتالي كان الخيار الأخر هو الانحياز نحو الجماهير العريضة، وربما لذلك تبدو الخطابية واضحة في قصائدهم وتظل مستمرة إلى حدود قريبة عند سميح القاسم، وظلت كذلك حتى النهاية عند توفيق زياد، ولكن محمود درويش يغادر الخطابية ويوغل في الفنية، ولكنه كان يعود إليها بين فينة وأخرى، ويشتغل على الموضوعات التي تلامس سخونتها جماهير محبي شعره. وبطبيعة الحال ينتمي الكل لشعراء المقاومة سواء على المستوى العربي أم العالمي.

المكان بين التحقق والغياب

يبدو أن المكان يشكل هاجسا في التجربة الشعرية الفلسطينية، هذا المكان المتمثل في أسماء المدن والقرى والبلدات، وما يمثله المخيم، والسجن، الزقاق الشارع.. الخ، باعتباره ذا علاقة بالذات التي تنبني من خلال حميمية البيت الذي تكبر دوائره إلى الأماكن المختلفة، وفقدان البيت يؤدي إلى اختلال في الذات بشكل كارثي يعبر عن حجم المأساة، ولكن المكان في الشعرية العربية الفلسطينية لا يقتصر على فلسطين بل يمتد إلى دول وقارات العالم، وذلك ما يمثل تلك النزعة الإنسانية في الشعر الفلسطيني، فبالرغم من حدة الصراع بين الفلسطينيين وغاصبي أراضيهم، لا نجد نزعة شوفينية في شعرهم، بل نرى أن هناك نزعة إنسانية مفتوحة على الآفاق الرحبة لكل البشر، وتتفاعل الشعرية مع الأحداث والأماكن المختلفة كما تظهر في دواوين توفيق زياد فيكتب عن موسكو ويشير إلى بغداد، سيبيريا واوكرانيا وليننغراد، والسودان وأم درمان.. الخ.

 وفي دراسة لنمر ابراهيم موسى يرصد فيها تكرارات ذكر الأمكنة في الشعر الفلسطيني فيقول: «توفيق زياد أورد ذكر البلدان الأجنبية 88 مرة والبلدان العربية 77 مرة، الخيمة والمنفى 5 مرات، فلسطين 47 القارات 6 مرات وهي من أقل المرات ذكرا في حال ورودها بين مجموعة مدروسة من الشعراء الفلسطينيين، مع العلم بأن القارات لم تذكر لدى كل الشعراء الفلسطينيين» ونحن نورد تلك الإحصائية لنشير إلى عدم اكتمال مشروع بعضهم الشعري إذ لا يزال بعضهم منتجا للشعر وبالتالي أن الاستقصاء يقف في حدود زمنية محددة، ولكنه ربما يكون أكثر صدقا بالنسبة لتوفيق زياد على اعتبار أنه قد أتم قوله الأخير بالموت(6).

كما يبدو السجن مكانا غير مستقصى في الدراسة، وكذلك الأماكن المتخيلة التي تقوم في الصورة الشعرية فيشير عز الدين المناصرة  إلى «رغم أن المكان حيز له كيان شبه مكتمل من وجهة نظر سكانه، وله حدود فعلية وحدود مجازية متصورة إلا أن، الحدود يمكن أن تخترق. فالكيانية المجازية لا تتطابق بالضرورة مع الكيانية الفعلية. لأن المكان ـ الأمكنة تنتقل معنا وفينا خارج حدودها. المكان فضاء مغلق رغم انه مفتوح وهو فضاء مفتوح رغم أنه مغلق»(7).

ازدواجية السجن

توفيق زياد وسميح القاسم قد جربوا سجنا مزدوجا معنويا وماديا فعليا في الوطن، ففي الأولى كان السجن حالة من الغربة تنمو نتيجة للوضع المعادي، ذلك الوضع الاستيطاني الذي يريد اقتلاع الفلسطيني من الجذور، عبر محو تراثه وتدمير تاريخه وما يدل عليه، لذلك تدعي دولة الاحتلال بأن الأغاني التراثية الفلسطينية تنتمي لها، وبالتالي تدمير الحصيلة التراثية من ذاكرة جيل لهدم ثقافة المجتمع تمهيدا للقضاء النهائي عليه، وكذلك حاولت نسبة الأكلات الشعبية في المنطقة لتاريخها كما حدث مع الحمص وغيرها، مع أن الأمر يبدو مضحكا ولكنه في الحقيقة يشكل تهديدا للهوية، وبالتالي يعتبر أمرا غاية في الخطورة.

وقد عانوا سجنا حقيقيا فد دخلوه كل بتهم مختلفة تحت نير الاحتلال في الداخل كما تظهر في قصائدهم(راجع قصيد جوانتنامو لسميح القاسم) وإن كان العنوان يشير إلى السجن الأمريكي الأشهر في كوبا الشيوعية، وهي من المفارقات الطريفة في العالم(سجن رأسمالي في دولة شيوعية!)، إلا أن سميح القاسم يصدر من تجربته في سجون الاحتلال ويمكن تلمس ذلك من طبيعة البيئة والمعاناة، وقصيدة(من وراء القضبان لتوفيق زياد)(8) وقصيدة «سمر في السجن»(9) حيث وقع القصيدتان بتذييل يحمل اسم المكان(سجن الرملة).

مظاهر في القصيدة

وفي السجن تصادر حرية الإنسان، ويحاول السجان كسر إرادته ومحوها، فينهض مقاوما عبر استرجاع تراثه الذي يتجاوز حدود فلسطين العربية إلى بحرها العربي الكبير، وهو على يقين من أن دولة الكيان لا تستطيع أن تمحوه لوجوده خارج أفق سيطرتها الفعلية، مكتوبا وحاضرا باعتباره تراثا حيا في الثقافة العربية، فيستدعي السير الشعبية والأمثال والكلمات الدارجة التي تحفل بها ذاكرة الشعب مستعديا روح المقاومة.

«أتذكر.. إني أتذكر../ لما كنا في أحشاء الظلمة نسمر

وربابة «إبراهيم» تعمر/ تحكي.. عن «عبس».. عن «عنتر»../ عن عبلة.. عن سالفها الأسمر/ عن «جساس»../ و«أبو زيد»../ و«دياب»../ وعن التغريبة.. والأحباب الغياب../ وعن «البطلين..كأنهما جبلين»../ وعن السيف المصقول../ «أبي الحدين»/ وعن العشاق.. عن الحب الأخضر.»(10)

على الرغم مما يبدو من خارجية دخول سيرة عنترة بن شداد، وحرب البسوس، وتغريبة بني هلال وغيرها في شعر توفيق زياد إلا أن وظيفتها الفنية هنا ليس بناء القصيدة، وإنما الاحتفاظ بالهوية متماسكة بانتمائها لبحرها الثقافي الذي لا ينضب، ويمكننا الإشارة إلى ذلك الاشتغال المستمر على التراث الشعبي عنده فيصدر قصيدة(يا جمال) بـ «بعض مقاطع من القصائد التالية هي في الأصل أغان شعبية متناقلة جيلا عن جيل، في منطقة الجليل، وقد قمت بنقلها من العربية الدارجة إلى لغة «تموت الحمارة..»» إشارة إلى الفصحى(11).

 ويمكننا ملاحظة بساطة التركيب اللغوي، واشتغال اللغة في مستوى يقترب من التداولي، وهو أمر يثير مسألة الموقف من الشعر الملتزم الذي يحاول بواقعية التواصل مع الجماهير إلى درجة فجة بعض الأحيان، فتجد الاشتغال على الصورة الفنية في داخل القصيدة لا يذهب بعيدا، فهي لا تنمو نموا عضويا عموديا في القصيدة، وإنما تتدرج أفقيا، ونجدها تنتهي في كثير من الأحيان عند نهاية الشطرة التي تتميز بالقصر العام، وتعتمد على تراكيب قليلة العدد في اللغة، وهي مسألة لا تحدد عمق وسطحية القصيدة، ولكنها تشير إلى فنيتها ومدى خروجها على المألوف، لذا يظهر الاعتماد على التشبيه، فلنسمعه في قصيدة(عن النبيذ واللهب) حيث يقول:

«أردت أن أراك/ اليوم يا شاغلتي ، أردت أن أراك/ فقطفت وردة كأنها عقيق/ وقفت عند منحنى الطريق/ وعندما طلعت كالصباح»(12)

وهو اتجاه معروف في شعر التفعيلة، وتميل قصائده على رواية حكاية ما، وتلك الحكاية تدل على اكتمال بنية القصيدة فنيا، وهي النقطة التي يحس عندها المتلقي بنهاية القصيدة واكتمال الحكاية في داخلها في ذات الوقت، وبالتالي نجد أن قصائده ترتكز على إبراز المضمون حتى وإن كان على حساب الشكل الفني فلنستمع اليه في قصيدة(حكاية تطول) حيث يقول:

«أحس أنها حكاية تطول/ ورحلة على جناح بلبل جميل/ التقط النجوم../ أشكها قلادة، لعنقك الصغير/ وفي المساء../ وحينما تنطفئ السماء../ وتحضن الوسادة البيضاء رأسك الغرير/ تنام في سلام../ قلادتي..تنام في سلام/ مع اليمام/ في صدرك المفتح الحرير/ أحس أنها حكاية تطول/ ورحلة على جناح بلبل جميل/ لا تسألي عرفت كيف ، لا تعقدي الأمور/ عيناك تحكيان تمليان ما أقول.»(13)

وإن تميز بتسخير الإيقاع الذي يغري أذن المتلقي المتعود على الإيقاع البارز في الشعر والمتناسب مع الاشتغال على الحفظ والترديد وبالتالي تحث المتلقي السماعي على الإنصات، على الرغم من تنوع القافية(اللام(5) مرات، والميم(4) مرات، وكل من الراء والهمزة تكررت مرتين)، ولذلك يتم تكرار الكلمات والمقاطع(حكاية تطول(3) مرات)، بينما ينتقل في الخاتمة إلى(تحكيان) وهو جناس ناقص مع(حكاية)، وكل من(السماء وتنام وسلام) تكررت مرتين في القصيدة، وفي ذلك تناغم شكلي، يساعد على التوصيل، وتبرز صفة التكرار لتبدو ذات علاقة بالقصيدة الكلاسيكية، ولعل ذلك مرده إلى تلك العلاقة بالخطابية التي تتوجه للجمهور كما سبق أن اشرنا.

 بين السدم

وهنا نحاول التكلم عن ظاهرة عادة ما نراها، وتتمثل في لجوء شاعر العمود إلى تكرار قراءة البيت أثناء الإلقاء الخارجي للقصيدة،  سواء أكان ذلك بعد التصفيق أو لإحداث الأثر المتوقع في المتلقي أثناء الإلقاء، ولكن تكرار المفردات والتراكيب داخل قصيدة التفعيلة تجعل الشاعر يهرب من الحاجة لتكرار المقول الخارجي في الإلقاء مادامت القصيدة تكرر داخلها ما يريد لتعطي الأثر المطلوب، وذلك ما نجده هنا في قصيدة لا تتجاوز ستة عشر شطرة، ولعلها من الناحية الفنية تسعى إلى ما بات يعرف بالتوتر «فالقصيدة الغنائية تعتمد على الاستعارة التي بدورها تتصف بالغموض مما ينشأ عنه «توتر» ينتظم أجزاء القصيدة بأكملها حتى يصبح هذا التوتر هو في النهاية، عمود التوازن في الكل المتكامل العضوي»(14).

الناي والشجرة

ويساعد ذلك التوجه الخطابي بروز تلك النبرة العالية للإلقاء، كما يفعل سميح القاسم بصوته العريض. وعلى الرغم من أن توفيق زياد لا يمتلك تلك القدرات الصوتية التي يمتلكها سميح القاسم، كما سمعت صوته بعد رحيله مسجلا على الانترنت، إلا انه يرتكز في كتابته على النبر والقافية والجناس الناقص.. الخ من البديع.

وفي ظاهرة ملفتة يمكننا الوقوف على تلك العلاقة بين الشعر المقاوم والغناء، فنجد أن المقاومة ذاتها عندما أنشأت فرقها الفنية التي تنتمي وتلتزم بقضايا شعبها، لم تجد أمامها إلا ذلك الشعر المقاوم لتغنيه، وهو أي الشعر المقاوم أعطى ذلك الشعر مساحة متفردة للانتشار، على الرغم من انه يصد ضمن بيئة معادية تماما، ويصعب وصوله بحكم آلة التوزيع العرجاء في الوطن العربي.

وبالنسبة لتوفيق زياد فقد لحنت وغنت بعض قصائده وانتشرت في أرجاء المعارضة العربية في عموم الوطن العربي كما اضن، وقد غنت قصائده أكثر من فرقة موسيقية، ولعل اشرها ما غناه مارسيل خليفة(أناديكم اشد على أياديكم) في لبنان، والتي غناها أيضا شيخ إمام في مصر، وغنتها فرقة فلسطينية أيضا، كما علمت أن الفنان جابر اليمني قد غني قصيدته(عمان في أيلول).

 أمام الصخرة

رحل توفيق زياد فجأة، لكن ديوانه ظل علامة بارزة في الشعر المقاوم على المستويين العربي والعالمي، وعلى الرغم من أن أكثر من دفع ثمنا باهظا هم فلاحوا القرى الفلسطينية ومازالوا يفعلون، ونتيجة لكون أولئك الفلاحين يتحصلون على تعليم قليل نسبيا، ولعل ذلك هو الذي قلل من عدد الشعراء الذين ظهروا من القرى، كما نأخذ في الاعتبار أن دولة الاحتلال قد محت الكثير منها، ولم تعد إلا أطيافا في الذاكرة، ولعل معظم وأهم شعراء المقاومة هم الذين ظهروا من المدن الفلسطينية العريقة.

نشير إلى ظاهرة ابتدأت في شعر توفيق زياد، وكما يبدو عدد لا بأس به من القصائد القصيرة، التي نرى أنها قد مهدت الطريق نحو كتابة قصيدة اللمحة بشكل مبكر نسبيا على طريقة قصائد الهايكو اليابانية في الشعر العربي، وهو ذات الاتجاه على ما يبدو الذي صارت تسير عليه قصيدة النثر.

ولعل ظاهرة أخرى تكمن في التكرار الداخلي للمقاطع والكلمات التي يمكن حفظها بسهولة وتردادها بين الجمهور، والتي سبق أن اشرنا إليها في الدراسة، هو ما عولت عليه القصيدة المقاومة للوصول إلى القطاع الأوسع للجماهير، كما أن إدراك بنية الغناء العربي الذي يقوم على تكرار المقطع مرتين على الأقل في الغناء المنفرد، وحتى غناء الكورس، كما يبدو الأمر واضحا في البناء الفني للأغنية، وبالنظر إلى تكرار بعض المقاطع في التراث الغنائي الشعبي، وهو تكرار يشكل لازمة بنيوية للغناء العربي. ووروده في القصيدة المقاومة ربما ساعد على تحولها إلى أغان بدأت تنتشر علنا بعد أن كانت تتداول سرا، نتيجة منعها من قبل السلطات، وذلك ناتج عن سقوط أو تراخي طرق المراقبة القديمة، وانفتاح الفضاء واشتعال الانترنت، ولعلنا إذ تجاوز العالم محنته المالية نقبل على ثورة أخرى جدية في الاتصالات ربما تسمح للأدب بالانتشار الأوسع بين الناس.

أهم المراجع

1) إبراهيم نمر موسى: مقالة بعنوان «تجليات المكان في الشعر الفلسطيني»، عالم الفكر، المجلد 35، العدد 4، 2007م.

2) توفيق زياد: ديوان توفيق زياد، دار العودة ، بيروت، ط1، 1970م.

3) سلمى خضراء الجيوسي، الشعر العربي المعاصر تطوره ومستقبله، عالم الفكر، المجلد الرابع، العدد الثاني 1973م.

4) غسان كنفاني:أدب المقاومة في فلسطين المحتلة 1984 ـ 1966، ط1 دار الآداب ، بيروت، سنة الطبع غير مذكورة.

5) عز الدين المناصرة: جمرة النص الشعري، ط1، دار الكرمل ، عمّان.

6)  موقع موسوعة الويكبيديا، مادة(توفيق زياد).

7) ميجان الرويلي وآخرون: دليل الناقد الأدبي، ط2، المركز الثقافي العربي، بيروت، 2000، صفحة 209.

الهوامش

1 – غسان كنفاني:أدب المقاومة في فلسطين المحتلة 1984 ـ 1966، ط1 دار الآداب ، بيروت، سنة الطبع غير مذكورة، صفحة 27-28.

2 – سلمى خضراء الجيوسي، الشعر العربي المعاصر تطوره ومستقبله، عالم الفكر، المجلد الرابع، العدد الثاني 1973م. صفحة 36.

3 – توفيق زياد: ديوان توفيق زياد، دار العودة ، بيروت، ط1، 1970م، صفحة(ع _ ص)

4 – موقع موسوعة الويكبيديا، مادة(توفيق زياد).

5 – توفيق زياد: ديوان توفيق زياد، دار العودة ، بيروت، ط1، 1970م، صفحة(و).

6 – إبراهيم نمر موسى: مقالة بعنوان «تجليات المكان في الشعر الفلسطيني»، عالم الفكر، المجلد 35، العدد 4، 2007م، صفحة 66-67.

7 – عز الدين المناصرة: جمرة النص الشعري، ط1، دار الكرمل ، عمّان، 1995، صفحة 279.

8 – توفيق زياد: المجموعة الشعرية، مصدر سابق صفحة 102ـ112.

9 – المصدر السابق، صفحة 113- 120.

10 – المصدر السابق، صفحة 116-117.

11 – المصدر السابق ، صفحة 363

12 – المصدر السابق، صفحة 148.

13 – المصدر السابق، صفحة 113 -114.

14 – ميجان الرويلي وآخرون: دليل الناقد الأدبي، ط2، المركز الثقافي العربي، بيروت، 2000، صفحة 209.

 

جعفــــر حســـــن

ناقد من البحرين

اخبارنا

نوم الغزلان

2017-10-31 08:32:30 | محمد علي طهالأديب محمّد علي طه يوقّع على كتابه الجديد ‘نوم الغزلان‘ في النّاصرة موقع بانيت وصحيفة بانوراما 2017-10-30 14:13:11 - اخر تحديث: 30-10-2017 14:13

>> المزيد |