تقرير خاص عن كفر قاسم

البيت > ذكرى مهمة > تقرير خاص عن كفر قاسم

ذكرى مهمة | تقرير خاص عن كفر قاسم

 

تقرير خاص عن :

 

كفر قاسم

كتبه : توفيق زيّاد في الذكرى العاشرة للمذبحة

 

في الطريق الى كفر قاسم

 

     لأول مرة في حياتي "أتوغل" في ذلك القطاع من المثلث : وأبعد نقطة وصلتها من قبل كانت قرية الطيبة أم تلك القرى.

     وأما اليوم فانني أترك "الطيبه" في اتجاه كفر قاسم التي تبعد 25 كيلومترا تقريبا.

     وعلي قبل كل شيء أن أمجد أيدي فلاحي تلك القرى. انها أيدي صناع حقا !

     الحقول هنا طيبة طيبة وذات أسرار لا نهاية لها. وترابها أسود أسود ذو ابتسامة ودودة.

     ورغم أن الفصل خريف الا ان الأرض خضراء كالزبرجد محشودة بالقطاعات المزروعة فاكهة وخضراوات.

     وعلى الرغم من سياسة السلب والإضطهاد والإفقار الاقتصادي المخطط الا أن الفلاحين هنا عرفوا كيف يتحدون كل الصعوبات. انهم يظلون يعالجون الأرض بأيد دربة وخبرة متوارثة حتى تستجيب ويدغدغونها حتى تفيض وهي تضحك ضحكة ذات معنيين : سخرية من تلك السياسة, وانتصارا على كل ظالم.

     زرافات زرافات ينتشر الفلاحون في حقولهم على طرفي الطريق. منذ أن تدخل مفرق الشارع العام المؤدي الى الطيبة وحتى تصل مفرق كفر قاسم. نساء وأطفال وشيوخ وشباب يعشبون ويقلعون ويقطفون الثمر. وبالرغم من سرعة السيارة وهي تقطع الطريق الا انه تتناهى اليك أصوات الفلاحين وتكاد تفهم ما يقولون رغما عن اللغط غير الواضح ويخترق أذنيك إلى قلبك صراخ رضيع أو ضحكة شابة أو ترويدة من تراويد فلاحينا تسقط في نفسك حتى الأعماق! وينفتح صدرك وتتنفس الهواء بحريّة. وأما قلبك فإنه يكبر ويكبر وهويحتوي كل شيء وأفقك الذي تجعله همومك ومتاعبك اليومية أضيق من (سم) الخياط يتسع ويتسع. وتشعر أن التفاؤل ينمنم في شرايينك وهو يسير مع الدم فيجلوها من الداخل وتومض في فكرك الحكمة الرائعة المتوارثة : لا شيء يستطيع أن يقهر الإنسان الذي طوى أضلاعه على إرادة الحياة !

*

     على طول الطريق المؤدي من الطيبة الى أرض المذبحة .. كفر قاسم .. تزداد الرقع الخضراء والمساحات المزروعة بالحمضيات. وينبهك أحد رفاقك الذين في السيارة وهو يشير الى يسار الطريق : هذه هي قلقيلية ..! وتلتفت لترى على بعد رمية حجر منك قرية كبيرة جميلة ترتفع وسطها مئذنة وأما بيوتها فتنتشر على بعض كالبيدر.

     قلقيلية ..! القرية التي من الطرف الآخر للحدود..! ويومض فكرك: هذا شعبك يا حبوب .. مقسوما الى نصفين ..! وتتذكر ليلة المذبحة التأديبية التي تمت هناك.. وتغيب قلقيلية خلف غابة باسقة من الأشجار ..

*

     ان المسافة التي ما زالت تفصلنا عن كفر قاسم تتقلص. والسيارة تمسك من الطريق قطعة وراء قطعة وترميها خلفها.. دون أن يلحظ أحد ذلك.

     انك تقترب الى ..."هناك" ... شيء ما فيك يتحفّز ... ان لحظة انتباه تسطع في رأسك وتتحكم في كل ذرة في بدنك.

     وينتابك شعور جامح .. قد يعترض طريقك طاريء ...وتنظر الى السائق ويفهم دون أن ينظر اليك أن عليه أن يسرع ! .. وتصل مفرقا في الطريق .. وتتوقف السيارة !

هذه هو مفرق كفر قاسم

     انك تقف في مركز دائرة خضراء ... الى يمينك غابة صغيرة من الأشجار الباسقة الغاوية. من وسطها يبدأ نهر "العوجا" .. انه ينبع من الأرض.

     وأمامك ... بعيدا في الأفق الأزرق تظهر قرية المجدل تتسلق جبلا مرتفعا شكله شكل النصف الأعلى لعملاق أسطوري بلا رأس على كتفيه ... انه صخرة واحدة ضخمة مقصوصة قصا وترتفع عموديا نحو السماء.

     وعلى رأس ذلك الجبل يوجد قبر ضخم. ويروي لك أحد رفاقك أن التاريخ المنقول أبا عن جد يؤكد ان ذلك هو قبر براز الدين اخي صلاح الدين الأيوبي.

     وعلى بعد خمسمائة متر منك سكة حديد حيفا – القدس.

     ومن جديد يهدر محرك السيارة متجهة شطر كفر قاسم.

 

     في المعركة مع الموت ... انتصرت الحياة ..!

   

     على يمين الشارع ويساره سهول رحبة ملكتها القرية أبا عن جد, صادرتها الحكومة. بيارتان واحدة قديمة والثانية جديدة .. لا تعرف أي منهما أشد اخضرارا .... وتنتبه أنك لم تعرف من قبل أن اللونين.. الأخضر- لون أشجار البرتقال – والأسود لون الأرض – ينسجمان في روعة ما بعدها روعة.

      وتلمح عيناك آثار أبنية عسكرية. هنا كان مخيم عسكري للجيش البريطاني...وتتنفس بارتياح .. كل ظلم زائل ! هذه هي سورة السور في كتاب الحياة ! شيء غير المحبة لن يسود ..!ّ

     وتبدأ الطريق في التعرج ... وكلما صعدت في الطريق يأخذ عري الأرض في ازدياد حتى تصبح عارية تماما وكأنها نزلت السّاعة من بطن أمها.

     وتمر بجانب محاجر القرية المهجورة ... العمال تركوها لأن حجرها رخو وقصوا محاجر جديدة أكثر صلابة. ولكنهم عادوا وهجروها وتوزعوا في المدن والمستوطنات القريبة يعملون بالأجرة في أراضي الشركات والمشاغل وورشات البناء والمطاعم والمقاهي. ويزداد تعرج الطريق وارتفاعها, بعد أن تخلّف المحاجر وراءك حتى ترى مقدمة السيارة وكأنه يتجه نحو السماء. وتجد نفسك فوق ... "الطبقة" ... فهكذا يسمي أهل كفر قاسم تلك الطلعة.

     وتصبح على بعد عشرات الأمتار من أقرب بيت في القرية ... ويقفز قلبك وتضع يدك عليه وتضم قبضتك حتى لا ينفلت.

     ما أصعب التنفس هنا .

    وتحس ان قبة قميصك الصيفي المفتوح تضايقك فتتحسسها بأصابعك ثم تفرك عنقك.

     ويصمت حولك كل شيء ... حتى محرك السيارة لا تعود تسمع صوته.

     الهواء ثقيل.

     وتحس أن جسمك خفيف جدا .. وتصبح حساسا الى درجة غريبة.

     لماذا؟ ..لأنك تسير على نفس الشارع الذي جرت المذبحة على طرفيه ...!

     انك لم تشهد المذبحة ... ولم تنج منها مثل غيرك .. ومع ذلك فأنت تحضن الأرض بأجفانك. شعور الخوف من مجهول يتربص بك ينتابك ... واذا كان هنالك نوع مشروع من الخوف فهذا هو النوع ...

     وتشيل نفسك وتحطها .. ربما هنا في هذه النقطة بدأت المذبحة .. ربما أن هذه العشبة البرية بالذات كانت أول عشبة اصطبغت بالدم الزكي. ربما أن هذا الحجر نفسه هو الذي تعثر به أو قفز عنه أحد الهاربين من المذبحة.

     من يدري ...

      ولكنك تدري شيئا واحدا .. ان كل شبر من الأرض هنا .. كل حجر ونصبة زيتون وعرق دوالي ... كل حبة تراب شهدت ما لم تشهده أنت: وشابت – على طريقتها الخاصة – في ليلة ما فيها ضوء.

     كل شيء يحدق فيك مؤنبا ..

     هل هناك شعور من تأنيب الضمير تحس به الضحية لمجرد كونها ضحية ..؟ علي أن أعترف أن شعورا كهذا يربطني من ضمن ما يربطني, بما جرى في كفر قاسم.

    وينتصب أمامك سؤال كبير: ماذا كان من الممكن أن تفعل حتى لا يحدث ما حدث ولم تفعله؟ ويختلط في رأسك جوابان الأول يقول: لا شيء, والثاني يقول: كل شيء. ويمتزج اللاشيء بالكل شيء ويلف الواحد في ملاحقة الآخر في سرعة غريبة حتى لا تعود تفرق ايهما اللاشيء وأيهما كل شيء.

     ويخيل اليك أن الأرض كلها متاريس ومخيمات وجنود وسيارات. وتختلط وجوه حديدية بأخرى من لحم ودم, وولولة النساء بأوامر الضباط وطلقات الرصاص بصراخ الرجال ... وهل في الدنيا اشد مرارة من صرخة ألم يختنق بها رجل ..؟؟!

     ان عينيك يا بستان .. يا بستان .. كالأرض الخراب... ومع ذلك فأنت تبكي .. وتبكي .. وتبكي .. ولكن دموعك كلها تفيض الى الداخل ..

     وتمر السيارة من جانبي البيت الأول فالثاني فالثالث ... وتبدو القرية أمامك على امتداد الشارع ومن بعيد تلوح ساحتها التي ترتفع فوقها مئذنة الجامع.

     وعلى الأسيجة وعتبات البيوت يتجمع نسوة وأطفال ورجال .. والكل يلتفت نحو السيارة. والأطفال الذين يلعبون جماعات على الشارع يوقفون لعبهم وينظرون اليك من خلال زجاج السيارة وهم يضحكون ويشيرون بأيديهم ويصفقون ويقفزون على الأرض ..

     وتلمح طفلا لم يتجاوزالسابعة يركض خلف دولاب من المعدن أمام السيارة وهو يتلفت خلفه نحو السّائق وكأنه يتحداه, ويبتسم السائق له وهو يتجاوزه, ولا ييأس هو بل يواصل ركضه خلف السيارة حتى يختفي عن النظر.

     وتصل السيارة الى غايتها .. وتقف أمام مقهى في ساحة القرية !

     عشرات الشباب حول الطاولات يلعبون الورق ... وعلى دائر الساحة أمام الحوانيت وبوابة الجامع وتحت الأشجار الباسقة يجلس الناس عناقيد عناقيد يدخنون ويتحدثون .. واحد وراء الآخر ينظر اليك ثم يعود كل شيء الى حاله.

     وبمجرد أن تنزل من السيارة يعرف بعض الشباب رفاقك الذين يحملون "الإتحاد" فتراهم وهم ينبهون بعضهم البعض ويبتسمون: ....جاءت الشيوعية .. ويهرعون الينا ...هؤلاء الناس !

     من المؤكد انني وحدي الآن أفكر بالموت .. بالمذبحة .. وأما هم فإنهم يدخنون ويتجادلون ويضحكون .. انهم كلهم, في هذه اللحظة يفكرون بالحياة .. وأنا وحدي, في هذه اللحظة, أفكر بالموت .. أنا القادم من بعيد لأكتب عنه. ووجدت نقطة التقاء .. انني قادم لأكتب عن الموت ولكن من أجل الحياة .. الحياة التي لا نهاية لها ..

صالح خليل عيسى : ولدت قبل 29 سنة .. وعمري عشر سنوات ..

     واحترت .. من أين أبدأ .. ؟!

     ورأيت أن أفضل شيء هو أن أمشي في شارع – زقاق – من شوارع القرية وأدخل بيتا أو حانوتا وأبدأ منه الحديث. وهكذا فعلت .. سرت في زقاق فرعي وأنا أقول لنفسي : استفقر ..! فليس مثل الفقراء من يحدثك الصحيح بكلمات شجاعة.

     ورأيت كوخا بحجم اليد فدخلت .. كان ذلك حانوتا .. وبلمحة خاطفة رأيت أن كل البضاعة التي فيه تستطيع أن تجمعها وتضعها في كيس وتحملها على ظهرك ! .. كان في الداخل شابان : صاحب الحانوت – عمر عصفور – وآخر.

     وبدون مقدمات قلنا لصاحب الحانوت أننا قادمون لنكتب تقريرا عن القرية .. عن المذبحة .. كمساهمة منا في إحياء الذكرى السنوية العاشرة للمذبحة.

     وقال عمر : أنا مستعد للتحدث اليكم .. ولكن صالح – وأشار الى الشاب الجالس بجانبه – يستطيع أن يتحدث اليكم أفضل مني. هو نفسه كان أحد الضحايا الذين نجوا بأعجوبة, أطلقوا الرصاص عليه وجرح في يده ورجله وحسبوه مات وكوموه مع القتلى.. ثم هرب.

     وأما أنا فأحسست بأنني وقعت على كنز .. هذا واحد نجا بعد أن واجه الموت .. وبتهيب تطلعت فيه .. كانت عيناه تتحركان في انفعال مفاجيء غير مريح .. وقال ان اسمه الكامل هو صالح خليل عيسى.

     ومع صالح وعمر وآخرين جلست طيلة اليوم أسمع. ومعهم تجولت في شوارع القرية .. ووقفت, وجها لوجه, أمام نفس البقع التي جرت فيها المذبحة المتسلسلة في ليلة 29.10.56 . ومعهم زرت المقبرة التي أصبحت مزار أمة. لقد سمعت أشياء وتفاصيل لم أقرأ عنها ولم أسمعها من قبل.

*

     ما جرى في كفر قاسم تلك الليلة سأرويه فيما بعد على لسان صالح خليل عيسى .. شاهد العيان الذي نجا بأعجوبة. أطلق عليه الرصاص وظنوه قد قتل. وسحبوه الى كوم القتلى ثم هرب اثناء انشغالهم في "عملية" ثانية .. واختبأ تحت شجرة زيتون ليلة كاملة ..

     وقبل ذلك لا بد من كلمة ...

الحرب ...

     ان الأيام الأخيرة التي سبقت يوم 29.10.56 كانت أيام تخطيط واستعداد محمومين للعدوان الثلاثي على مصر. المؤامرة حيكت في باريس ولندن بهدف استعادة قناة السويس وباقي مصالح الإستعماريين المدحورين في مصر والشرق العربي عن طريق احتلال عسكري مجدد.

     واما حصة حكام إسرائيل من الغنائم فكانت, في الأساس, التوسع وضم قطاع غزة وسيناء الى إسرائيل وإقامة مملكة سليمان الثالثة في شرم الشيخ.

     وبدأ العدوان .. باندفاع الجيش الإسرائيلي باتجاه الجنوب واحتل قطاع غزة. وعسكرت الوحدات العسكرية الإسرائيلية على ضفة السويس القريبة. وامتلأت الصحف هنا بصور أهالي غزة وسيناء وتحت الصور كتبت للتعريف : "مواطنو إسرائيل الجدد" و "متسللو الغد" وغير ذلك من الصور التي تنضح استعلاء وشوفينية وأحلاما فارغة تبددت فيما بعد مثل الآثار التي تركتها على رمل الصجراء أقدام المنسحبين.

     وتقرر في نفس اليوم, ضرب طوق على قرى المثلث وفرض منع التجول.

     الهدف من منع التجول ..؟؟! رئيس الحكومة وقتئذ, بن غوريون : أعلن في الكنيست فيما بعد ان الهدف هو المحافظة على أرواح أهالي تلك القرى .. ممن المحافظة على أرواحهم ..؟! لا نعرف ..

     ولكننا نعرف كيف حوفظ على أرواحهم ..

الإستعداد للمحافظة على الأرواح

                                                                                                                   

     الساعة 3 بعد الظهر, ضباط فرقة حرس الحدود مجتمعون. رئيس الاجتماع ضابط كبير اسمه شدمي. انه يبلغهم الأمر بفرض منع التجول ابتداء من الساعة الخامسة بعد الظهر – أي بعد ساعتين – وبعد أن يستفسر بعض الضباط مرة أخرى عم يجب عمله مع العائدين الى قراهم وهم لا يعرفون بأمر منع التجول الذي من المستحيل تعميمه في ساعتين على عشرات ألوف القرويين الموزعين في حقول المنطقة ومشاغلها يلخص شدمي المذكور النقاش :

- "الله يرحمهم – قال – بدون عواطف .. بدون اعتقالات .. بدون جرحى .." , وينفض الاجتماع دون أن يكون عند أي من آمري الوحدات ظل من الشك في معنى هذا الأمر.

*

     سيارة جيب عسكرية .. فيها ضابط وبضعة جنود .. تنهب الطريق الى داخل قرية كفر قاسم.

     الضابط يتصل بالمختار ويبلغه الأمر, الساعة بعد الرابعة والنصف. ويعترض المختار – كيف من الممكن تبليغ الأهالي والأعداد الكبيرة من العمال والفلاحين الذين يعملون في الحقول والمدن .. خلال أقل من نصف ساعه ..؟!

     ويحرك الضابط يده : - انتم اهتموا يتبليغ الموجودين في القرية وأما الذين خارجها فسنهتم بهم نحن ..

     ما أبشع أن تعرض الأمور, بأعصاب باردة غير مبالية, على عكس حقيقتها خصوصا عندما تتعلق بحياة الناس !!

الاهتمام العائدين ..

     وبدأ الاهتمام بالعائدين ...

     وعلى بعد عشرات الأمتار من آخر بيت في القرية نصبت على طرف الشارع الغربي كمائن الموت بالأسلحة الرشاشة ..

     بأية نفسية كان هؤلاء ينتظرون ضحاياهم؟ .. لنسمع ما يقوله أحدهم :

     اسمه : دافيد غولدفيلد – عمره 21 سنة , ولد وتثقف في البلاد وهو يستطيع أن يكون نموذجا لزملائه.

     دافيد هذا كان أحد الشهود في المحكمة العسكرية التي تكونت بعد المجزرة. هو نفسه كان "في الواجب" ليلة المذبحة. ولكنه لم يكن من المتهمين.

     انني أقتطف الحوار التالي من مجريات المحكمة :

المحامي حسيد : هل صحيح انك تعمل في البلاد وأنه طيلة أيام حياتك أُدخل اليك الشعور بان العرب هم أعداء دولة إسرائيل ؟

     الشاهد : نعم.

     المحامي حسيد : هل صحيح أنك تحمل هذا الشعور نفسه اتجاه العرب في إسرائيل والعرب خارجها ؟

     الشاهد : نعم ليس عندي فرق.

     المحامي حسيد : هل صحيح أنك شعرت بأنك اذا لم تنفذ الأمر بقتل كل عربي في كفر قاسم اذا رأيته خارج بيته, فإنك تكون قد خنت الروح التي تثقفت بها في الجيش وفي حرس الحدود ؟

     الشاهد : نعم .

     المحامي حسيد : لو كنت تسير أيام الحرب, في أحد شوارع يافا مثلا ولقيت عربيا فهل تطلق الرصاص عليه؟

     الشاهد : لا أعرف.

    القاضي هليفي : لو جرى معك في كفر قاسم ما يلي : بعد الساعة الخامسة نادتك امرأة وكنت متأكدا من أنها ليست خطره ولا تهدد الأمن, فقط نادتك وأرادت ان تسالك سؤالا أو تطلب منك أن تسمح لها بالعبور الى بيتها, ولنفترض ان هذا كان في الساعة 5:20 مثلا , فلو كانت المرأة هذه على بعد 10 أمتار من بيتها وهي تطلب منك السماح لها بدخوله .. ماذا تفعل..؟!

     الشاهد : لا أسمح.

     القاضي هليفي : ماذا كنت تفعل ؟

     الشاهد : اذا كانت في الشارع .. أطلق عليها الرصاص.

     القاضي هليفي : ولكن لم يكن أي خطر, فقط شخص ما , بسبب خطإ ما, أو بسبب أنه لم يعرف بأمر منع التجول توجه اليك وأراد, بإذن منك, قطع الشارع ..السؤال هو انك , رغم ذلك , كنت ستقتل كل واحد أو انك كنت تفرق .. وتمتنع عن القتل في حالات معينة ؟

     الشاهد : ما كنت افرق .

     القاضي هليفي : حتى لو كان ذلك الشخص امرأة ... أو ولدا؟

     الشاهد : نعم .

     القاضي هليفي : كنت تقتل كل من تراه ؟

     الشاهد : نعم.

     بهذه النفسية جلس الذين في كمائن الموت ينتظرون ضحاياهم ليهتموا بهم ...

"في ظهورنا أولاد يجب ان يولدوا .."

 

     واعود الان الى صالح خليل عيسى, وهو احد الذين نجوا بأعجوبة  "لأن في ظهورنا أولادا يجب أن يولدوا .."  كما قال . جلست معه وهو يروي وأنا أسجل .. وحولنا بعض الشباب الذين خلال السنوات العشر التي مضت سمعوا حكايته وحكاية غيره مرات كثيره ولكنهم كانوا وكأنهم يسمعونها الآن لأول مرة ...

     في ذلك اليوم كنت اعمل في بيارة مع اثنين من أبناء عمي هما اسعد وعبد سليم عيسى. أنهينا العمل بعد الرابعة بقليل ... ركبنا دراجاتنا عائدين الى القرية.

    في الطريق التقينا بعمال آخرين, قالوا لنا أن في القرية منع تجول وإطلاق رصاص ولا أحد يعرف لماذا. هكذا هم سمعوا, بعد تردد قررنا مواصلة الطريق. عددنا كان يزداد حتى اصبح خمسة عشر عاملا على دراجاتهم.

     واصبحنا على بعد كيلومتر من القرية ولم تكن عندنا مخاوف جدية, احتمال واحد كنت أفكر فيه... وهو ان يتعرض لنا ضابط قوة الحدود "بلوم", ربما سيشتمنا ويضربنا قليلا كالعادة. لم افكر في أي شيء آخر.

     بعد قليل سمعنا صوت إطلاق رصاص. بدأت أحس أن المسألة خطيرة ... قلت لإبن عمي فلنرجع, راح يشجعني, كان معنا شيخ في حوالي الستين هو الشهيد سليم أحمد بشير, راح بآيات قرآنية يشجعنا. واقتربنا حتى صرنا لا أبعد من 100 متر عن أقرب بيت في القرية.

     وفجأة .. ظهر رجل من حرس الحدود واعترض طريقنا :

- قفوا – صاح  

     حتى تلك اللحظة كل ما تصورته كان الضرب .. لا الموت .

     نزلنا عن الدراجات ... وأمرنا ذلك الجندي بالوقوف في صف:

- من أين انتم ؟

- من كفر قاسم – صحنا بصوت واحد

وأين كنتم ؟

- في العمل.

     وتأخر عنا نحو خمسة أمتار حيث كان اثنان من زملائه بمدفع رشاش وصاح:

- احصدوهم ..

     ولم اصدق الا عندما راح الرصاص ينهمر في اتجاهنا.

     الرشة الأولى على أرجلنا والثانية أعلى قليلا وسقطت مع الآخرين. كان بجانبي عربة خيل كانوا قد احتجزوا صاحبها وأطلقوا عليه الرصاص معنا. وسقطت خلف العربة. لا أعرف كيف, شعرت أنني ما زلت حيا فقط بعد أن سقطت.

     وهدأ كل شيء...

     وابتعد عنا الثلاثة حوالي عشرة أمتار. وجاءت, بعد لحظات, سيارة تراك. أوقفوها, أمروا ركابها بالنزول, كان فيها كثيرون (عرفت فيما بعد أن عددهم كان 23 ) من عمال شركة أساميا للزراعة.

     وتقدم منهم نفس الآمر الذي أعطى الأمر بإطلاق الرصاص علينا وأمرهم بالنزول والإصطفاف خلف السيارة.

     وتناول صالح قلمي وراح يرسم على علبة سجائره خطوطا تبين موقعه وموقع السيارة والكمين وحركات الامر في تلك اللحظة.

     بعد أن اصطفوا خلف السيارة ملتصقين ابتعد عنهم ذلك الآمر ثم صرخ :

- أحصدوهم ..

     وهرب البعض وسقطت الأكثرية

     وعاد القتلة الثلاثة حيث كنت وباقي ركاب الدراجات القتلى, وأخذوا يكومنوهم في كوم واحد, على بعد 3 أمتار مني. كانوا يستعملون بطاريات ويطلقون الرصاص. أنهم يجهزون على الجرحى.

     واقتربوا مني .. سحبوا العربة بعيدا...دولابها الحديدي مشى بكل ثقله على قدمي. كنت أصر على أسناني حتى لا أصرخ, تظاهرت بالموت. سحبوني ووضعوني على الكوم وابتعدوا.

     ويصمت صالح خليل عيسى ويلعب بعلبة السجائر, وأنظر اليه فأرى في عينيه حزنا جامدا. وأصمت أنا. ثم يضع هو علبة السجائر على الطاولة ويفرك أصابعه بعضها ببعض وأسمع أنا صوته مختنقا عميقا وكأنه قادم من بعيد..

     الواقع انه رغم كل ما حدث لي فإن شيئا واحدا ما زال يعذبني .. لماذا لم أصرخ لأنبه ركاب تلك السيارة. كان بامكاني أن أنقذ حياتهم, ولكني لم أفعل, لماذا لم أهرب بعيدا عن القرية لأنبه القادمين اليها. هذا هو الذي ما زال يعذب ضميري وسيظل يلاحقني كحلم مزعج.

     وأحاول أن أخفف عنه .

     ويواصل كلامه.

     بعد أن كوموا قتلى سيارة التراك على بعد 10 أمتار منا, جاءت سيارة تراك أخرى كان فيها شخصان قتلوهما.

     وسمعت هدير سيارة جيب آتية من الطريق الشرقي .. من ناحية القرية, كانت مطفأه, سمعت لغطا ورأيت شخصا ينزل منها. لم أفهم الكلام اذ كانوا على بعد 20 مترا مني. ثم عادت سيارة الجيب من حيث أتت.

     وسادت فترة هدوء..

     ورأيت القتلة الثلاثة يسيرون ثم يجلسون على بئر المدرسة القريبة 10 – 15 مترا, ثم جاءت سيارة تراك.

     وينبهني صالح : لعلك لاحظت أنهم كانوا يقتلون كل فوج جديد بعيدا بضعة أمتار عن الذي قبله في الإتجاه المعاكس للقرية حتى لا يرى الفوج الجديد مصير سابقه.

     ولكن السيارة التي أشرت اليها مرت عن أكوام القتلى, ويظهر ان القتلة أصبح سيان لديهم أن لاحظ الضحايا الجدد مصير الذين سبقوهم أم لم يلاحظوا.

     ومرت السيارة من جانب كوم القتلى الذي كنت فيه, سمعت أصواتا نسائية, كان في السيارة كما عرفت فيما بعد 13 امراة من 12 سنة فما فوق, وأربعة رجال. سمعت ولولة النساء الهامسة.

     وفجأة ركض وراء السيارة القتلة الثلاثة وأوقفوها وأنزلوا ركابها.

    وفكرت أنا : السيارة تبعد عني 20 – 25 مترا, وشعرت بقوة هائلة تنفضني. ووقفت ورحت أركض , لم أدر كيف قفزت عن سياج أمامي. كنت أركض في اتجاه مواز للسيارة دون أن أعي.

     ومثل المطر انهمر الرصاص في اتجاهي, واختلط صوت الرصاص بزعيق النساء وأصوات ارتطام أجسامهن بالأرض.

     وأحسست بالرصاص يخترق ثيابي, عندها فقط عرفت أين أنا, انبطحت ثم رحت أحبو على يدي ورجلي حوالي 200 متر في كرم زيتون. كنت أتصور الزيتون مملوء جيشا وسيارات عسكريه وأنه من الممكن أن أصطدم بهم في كل لحظة.

     وخلف صخرة كبيرة, تحت زيتونة, اختبأت وأنا أفكر بالموت الذي من الممكن أن يغتالني في أي لحظة. وبقيت هناك حتى الصباح والدم ينزف من جرحين في يدي ورجلي. وفي الصباح اكتشف موضعي جنديان ونقلت الى المستشفى.

     هذا ما شهدته يميني, ولكن قبل ما حدث معي كانت عدة أفواج من العائدين قد أطلق عليها الرصاص.

     الى هنا تنتهي قصة الاهتمام بالعائدين كما رواها شاهد عيان.

ما لم يشاهده صالح خليل عيسى ...

     ولكن ما رواه صالح خليل عيسى لم يكن كل شيء عما حدث عصر وليلة 29.10.56  وما لم يشاهده صالح خليل عيسى بعينيه حدث في الطرف الآخر الشرقي للقرية – ولكن نفس الأسلوب, نفس الأوامر, نفس فرقة حرس الحدود ونفس النفسية التي وصفها بصراحة وإخلاص الجندي دافيد غولدفيلد.

     وما لم يشاهده صالح خليل عيسى حدث أيضا في نفس القرية, وما حدث في القرية نفسها سمعته من آخرين. وإليكم الحادث التالي :

اسمه : طلال شاكر عيسى

عمره : 8 سنوات

بيته بجانب بيت صالح خليل عيسى. من ساحة داره هربت عنز, انها لم تكن تدري بمنع التجول ولا أهدافه الأمنية ولا بالمقاييس التي لم تفرق بين الإنسان والبهيمة...هربت الى الشارع..... وركض وراءها الطفل طلال, ومن مكان غير بعيد شد على زناد البندقية وتفعفل الطفل في التراب, وركض أبوه على صوت الرصاصة, وخر هو الآخر, ولم تفهم الزوجة شيئا مما حدث, ركضت بلا وعي نحو زوجها وابنها, رصاصة ثالثة كومتها عليهما, أما نورة الإبنه التي رأت والديها وأخاها يسقط الواحد منهم بعد الآخرفما كان حظها أفضل, رصاصة رابعه كومتها فوقهم.

     أما طلال فقد لفظ أنفاسه الأخيرة. أما أبوه وأمه وأخته فقد نقلوا الى المستشفى حيث انتصرت فيهم الحياة على الموت.

     وأما الجد الذي شاهد كل ما حدث فقد مات من القهر في اليوم التالي ..

     وحدثوني .. وأنا أتجول في القرية ...كل قصة من قصص المذبحة ... عن عشرات الناس الذين نجوا بأعجوبة لأنه "ما زال في ظهورهم أولاد يجب أن يولدوا .."

     ومن بينهم هنا سليمان عامر – 15 سنة – الفتاة الوحيدة من بين حمولة سيارة تتألف من 13 امرأة و 4 رجال, التي نجت. وعثمان سليمان بدير- 17 سنه – الذي بقي ليلة كاملة بين جثث القتلى, وإسماعيل عقاب بدير الذي هرب واختبأ ليلة كاملة حتى فسد الجرح البليغ في رجله وقطعت, وعبد الرحمن يعقوب صرصور – 16 سنه – الأصم الأبكم! وغيرهم.

     وبشكل خاص أردت أن أرى الفتاة هنا سليمان عامر ولكني لم أتمكن. وعدت الى مذكرة النائبين الشيوعيين ماير فلنر وتوفيق طوبي اللذين كانا أول من زار القرية وجمعا المعلومات عن المذبحة الرهيبة في مذكرة للرأي العام في إسرائيل وخارجها فاقرأ قصة هذه الفتاة. انني لن أعيدها ولكني أقتطف الجملة التالية, قالت :" بعد ان أوقفونا سمعت المسؤول عنهم يتكلم باللاسلكي مع المسؤولين عنه ويستشيرهم فيما يجب عمله مع النسوه, بالطبع لم أسمع ماذا قالوا له ولكنني أعرف, بعد انتهاء المحادثة صفونا وأطلقوا علينا الرصاص, مكان بيننا عدد من الحبالى وواحدة في شهرها الثامن هي فاطمة داوود صرصور".

     وأثناء تجوالنا في القرية أشار احد الإصدقاء الى احدى الدور :

     - هذه دار الشهيد رياض.

وأسأل من رياض؟ وأكثر من صوت يبادر للكلام!

     انه رياض .... صبي في السابعة, عندما سمع بمنع التجول كانت الساعة الخامسة الا ربعا. ركض الى الحقول ليستدعي أباه, وعاد معه في احدى سيارات التراك, الصبي قتل وأما أبوه فقد كان يجري بين الذين نجوا.

     ولكن هنالك عشرات من العمال والفلاحين العائدين, نجوا من موت محقق, ليس بسبب اختبائهم بين جثث القتلى وتظاهرهم بالموت, وانما بسبب الشجاعة الفائقة, التي أبداها سائقوا سياراتهم.

     حتى في أحرج اللحظات ... هنالك من يتصرف بوضوح وسرعة وشجاعة ...!

     أحد سائقي السيارات رفض الإنصياع لأمر الوقوف, بعد أن رأى جثث القتلى المكومة. فرقة حرس الحدود لاحقته بالرصاص, قتل واحد ونجا الخمسة الاخرون.

     سائق آخر هو عبد الله إسماعيل عيسى, كان في سيارته التراك 29 راكبا, رفض أن يقف, لحقوه بسيارة جيب, وعندما اقتربوا منه اعترض طريقهم شيخ في السبعين, كان قد خرج من داره القريبة ليسألهم عن ابنه, هذا جعلهم يرتبكون, الشيخ نجا وأما عبد الله عيسى السائق الهارب فقد ربح وقتا, وتمكن مع ركاب السيارة من النجاة. هذا السائق البطل توفي بعد ذلك بسنة واحدة في حادث طرق ...

     سائق ثالث هو جمعة رشيد بدير, أنقذ 25 عاملا وعاملة بنفس الطريقة ... بعد أن بنشرت عجلات السيارة بسبب الرصاص, ساقها على الحديد !

 

مقبرة نشأت في يوم واحد ...

     ولأعد ثانية الى صالح خليل عيسى :

     بعد حوالي الساعتين من اختبائي في كرم الزيتون رأيت ضوءا كاشفا مصوبا الى أكوام الخشب, كان ذلك على بعد أقل من خمسين مترا. وبمساعدة ذلك الضوء بدأ عدد من الجنود يجمع القتلى في سيارة بعد سيارة, ابتدؤا بالنساء, كانوا يشحطون الجثة ويرمونها الى داخل السيارة. ثم ساد الهدوء حتى الصباح, وفي الصباح اكتشف موضعي جنديان وحملاني مع غيري الى المستشفى.

*

     ونترك صالح خليل عيسى في المستشفى لنرى تتابع الحوادث في القرية.

     بعد نقل الجرحى الى المستشفيات, بقي أمام المسؤولين اسدال الستار على الفصل الأول – أقصد .. دفن القتلى ..

     أحضروا أناسا من قرية جلجولية القريبة, الى مقبرة القرية, وطلبوا منهم أن يحفروا سبعة وأربعين مترا. ولم يعرف أولئك لماذا أحضروا, ولمن يحفرون القبور, وكان الواحد يسأل الآخر : لمن نحفر هذه القبور؟ قلبي يحدثني أنها لنا..

    وكان من الضروري تشخيص القتلى ..

     أخذوا من كل عائلة رجلين وامرأة لهذه الغاية وكتبوا عليها اسم كل شهيد على ورقة منفصلة.

     وعند الدفن وضعوا تلك الورقة على ظهر القبر الخاص بصاحبها ووضعوا فوقها حجرا ... حتى لا تطير!

     كان هذا في اليوم الثالث للمجزرة, والقرية خاضعة لنظام منع تجول شديد. وهكذا أسدل الستار على الفصل الأول..

     وفي كفر قاسم حدثوني كيف خرجت القرية عن بكرة أبيها الى المقبرة .. كل واحد يريد أن يسبق الكل, وكيف انطلقوا يفتشون عن أبنائهم. انني أكتب بعد عشر سنوات من ذلك اليوم ومع ذلك فإن ما قالوه لي عن تلك اللحظة ليس من الإنسانية في شيء أن أعيد تسجيله !

     وعندما ذهبت لزيارة المقبرة قالوا لي أنها نشأت في ليلة واحدة. المقبرة القديمة حرثها عبد الكريم قاسم عندما كان يعسكر في القرية سنة 1948 وأوجد واحدة جديدة لم يكن قد دفن فيها, قبل ذلك اليوم غير عدد قليل. كان عمرها ثمان سنوات وفي ليلة واحدة كبرت عشرات السنوات.

     وعلى كل قبر كتب الإسم والتاريخ, كل اسم يختلف عن الآخر, ولكن التاريخ  واحد: 29.10.1956.

*

     وفي الوقت الذي كان يبكي فيه أهالي كفر قاسم قتلاهم, كان العدوان الثلاثي ما زال مستمرا, والعالم كله ينتفض غضبا على المعتدين.

     الحرب .. الحرب الحقيقية .. دائرة رحاها, انها تحرق الأخضر واليابس .. وغول العبودية والإستعمار, يفتح شدقيه.

     ووصل الوضع ذروته .. وكان الإنذار السوفييتي الذي وضع حدا للعدوان, وهذا لم ينقذ الشعب المصري وحده وإنما الشرق العربي كله, ووفر على شعبنا هنا كفر قاسم أخرى وأخرى.

     وهدأ الوضع ..

     والرأي العام الذي كانت تشغله الحرب بدأ يفتح أذنيه أكثر لما جرى في كفر قاسم, وراحت تتسرب أنباء وتفاصيل, ولكن أحد لم يعرف حقيقة ما جرى تماما.

     وتبحث الكنيست الموضوع وينجح رئيس الحكومة في لف الطابق.

     وتتحول المعركة الى الشارع, ويقتحم النائبان ماير فلنر وتوفيق طوبي الطوق الحديدي المضروب على القرية الذبيحة, ويعودان بالتفاصيل المروعة, وتبدأ المعركة في الشارع, ويهب الرأي العام اليهودي والعربي من أجل محكمة علنية للقتلة.

بالعملة التنك

     وتمهيدا للمحكمة تجري الحكومة صلحة. لأول مرة نسمع في حياتنا بصلحة تجري بين الحكومة وقسم من الشعب, لأول مرة نسمع أن الحكومة اعترفت رسميا, بأنها خصم لشعب تدعي تمثيله !

     وتقرر وزارة الدفاع مبلغ 100 ألف ليرة تعويضات .. "يا بلاش..!" :

الشاب الأعزب ابن 15 سنة         الفا ليرة

الطفل ابن 8 سنوات فما تحت       الف ليرة

المتزوج ولا أولاد له                3000 ليرة

المتزوج وله ولد واحد              4 آلاف ليرة

المتزوج وله أكثر من ولد واحد     5  آلاف ليرة

     بالضغط والإرهاب وكل الوسائل المشابهة فرضوا الصلحة والتعويضات فرضا, قسم استلم هذه التعويضات, وقسم رفض حتى اليوم استلامها.

     لقد كانت الصلحة لفا شكليا للطابق, ووصمة عار جديدة للسياسة التي تقتل القتيل وتفرض عليه صك الغفران.

     لقد أرادت الحكومة من وراء الصلحة, التمويه على الرأي العام – اليهودي خصوصا – بأن شيئا ما, ذا بال, لم يحدث ... وأنه لم يبق سوى المحكمة التي ستصدر الحكم وتسدل الستار رسميا على ما جرى ... وأصدرت المحكمة العسكرية قراراتها... الذين اشتركوا في المذبحة غيلا معروف عددهم الحقيقي ..

     الذين قدموا للمحكمة كانوا 11 فقط .. الذين أدينوا كانوا 8 صدرت ضد بعضهم أحكام طويلة بالسجن تصل الى 18 سنة .. ولكنهم بعد 3 سنوات أطلق سراحهم .. أما "شدمي" الذي أصدر الأوامر, فقد غرم بقرش واحد فقط ..

     ان الجريمة والعقاب كانا فصلين دبرا وأخرجا بشكل يثير الغضب والرثاء لتلك العقلية, المنحوتة نحتا من الكراهية القومية المسؤولة عن المجزرة. لقد أرادت السلطات تقليص مدى وأبعاد تلك المأساة. وتصويرها وكأنها جريمة عادية, ارتكبها مجرمون عاديون, وأما السلطات فلا تتحمل أية مسؤولية, بل على العكس .... انها نظمت محكمة عسكرية, وبادرت الى الصلحة, ودفع ثمن الدم بالعملة التنك .. وانتهى كل شيء.

     ولكن من يصدق ..؟

الموت يتقهقر أمام الحياة

     ان المذبحة في كفر قاسم لم تحقق الهدف الذي نظمت من أجله !! ان الناس هنا, وان كانوا يعيشون في ظل عملاق أسود ليوم  29.10.1966 الا أنهم يعيشون مشاكلهم وقضاياهم. انهم يبنون ويتزوجون وينجبون الأطفال ويعالجون الأرض الطيبة, ويعملون حتى في أشد الأقبية ظلاما ليكسبوا لقمة الخبز الحلال.

     ان مشاكل الحياة أقوى من أية مأساة !! عندما وقعت المجزرة كان عدد سكان القرية 2200 وأما اليوم فقد بلغ 3500 !

     والوضع اليوم ليس كما كان عليه في سنة 1956. في القرية مشروع ماء وكهرباء. الشارع العام عبد, وأقيمت مدرسة. ولكن كل ذلك كان بفضل أهل القرية أنفسهم, بفضل عرقهم ونقودهم التي مولوا بها تلك المشاريع. ان المأساة ما كان بإمكانها أن توقف التطور الطبيعي, وليس فقط ان هذا التطور, لم يتم بمساعدة السلطات, بل تم ضد سياستها.

     ان كفر قاسم – العمال والفلاحين – استطاعت خلال السنوات الأخيرة أن تحقق ثلاثة أشياء أساسية :

     1  رفضت أن تيبع شهداءها وذكراهم

     2  حطمت الإرهاب المحشو بالقصص شبه الأسطورية الذي ساد القرية سنوات طويلة والذي وصل الى درجة ارغام الناس على الصلاة في غير موعدها ليتفرج السائحون ...

     3  طورت نفسها رغم كل شيء بكد أهاليها أنفسهم.

     وبالإعتماد على عمالها وفلاحيها تواصل كفر قاسم التغلب على مشاكلها الملحة التي هي في الأساس نفس المشاكل التي تعيشها قرانا العربية. انها تكافح لتحفظ من المصادرة, القسم القليل نسبيا الباقي من أراضيها بعد أن فقدت نتيجة لأوامر المصادرة وغيرها, القسم الأكبر, وعمالها يكافحون ضد البطالة المتفشية في القرية في حين أن مكتب العمل مشلول كليا ولا يسوى أكثر من اللافتة المعلقة على بابه, وقضية توسيع مسطح القرية هي واحدة من القضايا الملحة التي تكافح القرية لحلها. ان وزارة الداخلية ترفض توسيع مسطح القرية, بحيث يشمل عددا من البيوت المبنية, والتي ترفض وزارة الداخلية ترخيصها.

*

     لقد تركت كفر قاسم وهي تستعد لإحياء الذكرى السنوية العاشرة لشهدائها الذين هم شهداء شعب ..! تركت أرض المذبحة التي أصبحت مزار شعب بأسره .. وقد ازددت ثقة انه لا يمكن أن يكتب للسياسة التي أدت للمجزرة غير الفشل الذريع .. "والذي خلف ما مات !!"

     تركتها والسلطات بدأت تنشر في القرية جوا من الإرهاب كما تفعل كل عام, لمنعها من إحياء هذه الذكرى. أرسلت عملاءها لبعض الشباب الديمقراطي الذي كان قد بدأ يستعد.

     وهي في كل عام تضرب طوقا حديديا حول القرية لتمنع الجماهير العربية واليهودية الديمقراطية من الوصول الى القرية للمشاركة في احياء الذكرى الخالدة.

     ولكن ...

     حتى لو نجحت السلطات في ضرب هذا الطوق في هذه السنة أيضا, ومنع حتى صوص ابن يومين, من الوصول الى القرية فإنه لا شيء يقدر على محو الأثر العميق للمجزرة. ولا شيء يقدر على خنق الكفاح العادل للتخلص من سياسة الإضطهاد القومي الرسمية حتى لا تتكرر المأساة ..!!

اخبارنا

نوم الغزلان

2017-10-31 08:32:30 | محمد علي طهالأديب محمّد علي طه يوقّع على كتابه الجديد ‘نوم الغزلان‘ في النّاصرة موقع بانيت وصحيفة بانوراما 2017-10-30 14:13:11 - اخر تحديث: 30-10-2017 14:13

>> المزيد |