السقوط بين أريحا .. وزهرة المدائن !

البيت > ذكرى مهمة > السقوط بين أريحا .. وزهرة المدائن !

ذكرى مهمة | السقوط بين أريحا .. وزهرة المدائن !

عشرون عامًا على رحيل القائد توفيق زياد:
ألسقوط بين أريحا.. وزهرة المدائن!

 

فتحي فوراني

 

مع قادة الحزب الشيوعي القبرصي عام 1994 توفيق زياد- أبو الأمين (في الوسط) نائلة زياد- أم الأمين (في أقصى يسار الصورة) وفتحي فوراني (على يسار أبي الأمين)

 

  • إن أضواء الإغواء الخضراء تنادي وتنصب الشراك..غير أن الإرادة العنقاء تتمتع بقدرة استثنائية على الصمود فتشمخ في حصنها إباء وكبرياء!

 

• إبن الحارة وحارس "باب الحارة"

عندما سقط أبو الأمين على الدرب الفلسطيني بين أريحا وبين زهرة المدائن.. أعترف أنني فقدت القدرة على البكاء..ولم أرد أن أصدق هذه الحقيقة التي تقف على حافة الأسطورة..
فقدتُ القدرة على البكاء..وفقدت القدرة على التعبير عن هذا الحزن الاستثنائي..
كان الجرح عميقًا..وكان الحزن عميقًا..
فقد هاجرت الكلمات بعيدًا بعيدًا!
وبقيت أشلاء حروف بلا معنى!
**
فعلى المستوى الشخصي كانت الخسارة فاجعة..
لأن طفولتي  شهدت ميلادها على جذع شجرة الزيتون الزيّادية الوارفة الظلال..
لقد فقدت الصديق والرفيق والجار والقائد والمعلم وابن الحارة وحارس باب الحارة.. وشريكي ومنافسي المبدع في ساحات البلياردو الخضراء!

 

*ألأشجار لا تموت إلا واقفة!*


أيها الأخ الحبيب..لماذا عملتها!
لقد عرفت كيف تختار الشهادة بين نخلتين باسقتين..بين أقدم مدينة في العالم..وبين زهرة المدائن التي تمتطي صهوة غيمة..
لقد سقط الناصري على مشارف الميلاد..وعلى درب الآلام النازفة..وظل واقفًا!
فالأشجارالنبيلة لا تموت إلا واقفة!

 

*كان بيته كعبة يؤمهاالبسطاء والشرفاء والفقراء*


كان أبو الأمين طاهر الثوب والقلب والفكر ونقيّ الكفّين..
كان بيته كعبة صغيرة واسعة الصدر يؤمها البسطاء والفقراء والشرفاء والغلابى والمسحوقون..
كان بيتًا عاديًا كمعظم البيوت التي تطمح لأن تكون عادية في هذه المدينة..بأثاثه البسيط وسجّادته الحميدية التي تنتسب إلى  عهد عاد..فنبتت لها أجنحة..وحطت في غرفة الاستقبال الحييّة  ومصابيحها الناعسة..ذات العيون الذابلة!

 

*إن أضواء الإغواء الخضراء تنادي..وتظل القمّة شامخة!*


ولو شاء الرجل..لكان باستطاعته أن يدخل دنيا الثراء والأساطير من أوسع أبوابها..وكان الدرب مفروشًا وردًا وعلى جانبيه اصطفّت طوابير الإغراءات..وأوقعت الكثيرين في حبائلها!
إن أضواء الإغواء الخضراء تنادي وتنصب الشراك..غير أن الإرادة العنقاء تتمتع بقدرة استثنائية على الصمود فتشمخ في حصنها إباء وكبرياء!
ففي طريق الغواية السياسية..يغصّ المشهد بالدجل والنفاق وانتفاء الأخلاق وتسقط الأقنعة عن الوجوه السياسية.. ويسير الملك عاريًا!ّ
لقد   سقط الكثيرون..وظل أبو الأمين قلعة حصينة..تكسرت على أبوابها رماح الغزاة والإغراءات!
وظل الرجل رجلا..وظل راية شامخة..ترفرف على قمة تعانق السماء! 
لقد  اختار الطريق..وحمل البوصلة..وكانت الرؤية الفكرية واضحة تمامًا..وآثر الرجل أن يظل شاعر البسطاء..شاعرالفقراء..وشاعر الشرفاء..

 

*الرجال صناديق مقفلة!*


على الطرف الآخر من الهاتف يأتي صوت حميمي تعطره بحّة محببة لا تخلو من طفولة:
- لك معي دعوة شخصية من مؤسسة ابن خلدون في قاهرة المعز لدين الله الفاطمي. سنسافر معًا إلى قبرص للمشاركة في مؤتمر حقوق الأقليات.
ألمكان: فندق فاخر يحرس  شواطئ  لارنكا القبرصية..وبحارها الزرقاء..
يرخي الليل سدوله على مساء لارنكا..ويحفل الفندق بنزلائه الذين جاؤوا من جميع أنحاء الدنيا..للمشاركة في مؤتمر حقوق الأقليات..ويكون دورك يا عبد الله  تقديم دراسة شاملة عن الأوقاف الإسلامية. وسيتم توزيع الدراسة  على جميع  الوفود المشاركة في المؤتمر. وتشعر أنك تقوم بالمهمة على الوجه الأكمل  وتؤدّي الرسالة عبر منبر عالمي!
**
يتصل أبو الأمين من هاتف بين غرفتين.. لنسهر سهرة عائلية.. إنها فرصة نغتنمها ونسترقها من غابة الحياة العصرية المدججة بالمسؤوليات والهموم اليومية التي ننوء بها في بلاد السمن والعسل.. وفي عصر العولمة! 
فلا أتردد! 
- إنزل إليّ..تعال نسهر..أنا في انتظارك!
جلسنا إلى طاولة واحدة..كان الرجل يجلس إلى جانبي..طفلا رائعًا كما عرفته منذ عهد الطفولة..وكان يشعّ طيبة وصدقًا وبساطة..وطفولة!
وإلى جانبه رفيقة دربه أم الأمين..التي كانت جارة الرضا وكنت أعرفها  أيضًا..منذ الطفولة في الأيام الناصرية الجميلة!
ويأبى أبو نواس إلا  يكون معنا بحضوره  الذي يعبق بشذا قهوته البابلية!

 

*وتخرج الأرض أثقالها!*


ألرجال صناديق مقفلة..هكذا قالت العرب.
وتحين الفرصة..وتتوثب فتطرق الأبواب المغلقة  لتفتح صدرها في اللحظة المواتية.تُفتح الملفات النائمة في الأرشيف الذي تحيطه الأسلاك الشائكة والخطوط الحمراء..ويطيب لأبي الأمين أن يميط اللثام عن الكثير من الأوراق المطويّة والمختبئة في زوايا القلب.. 
فالحديث ذو شجون. وتأبى الصناديق المقفلة إلا تتململ..وتخرج أثقالها.. وجراحها!

 

*ويميط اللثام عن خزائن الأسرار!*


يفتح الرجل قلبه على مصراعيه..فيكشف خزائن الأسرار..وتُسفر المواجع التي تحزّ في النفس عن نفسها..ويجد الرجل في حضرة صديقه عبد الله متنفسًا..فيختلط الحزبي بالسياسي بالإبداعي بالشخصي بالعائلي والعاطفي..
تنقشع الغيوم..فيختفي الضباب..وتظهر السماء صافية زرقاء زرقاء! ويتكشف أمامي الكثير من الحقائق التي كنت أجهلها..والتي تدل على عظمة هذا الرجل في المواقف والأزمات الصعبة..ولا سيما الأزمات والصراعات  التي كانت تحتدم بين الإخوة والشركاء في الخندق السياسي الواحد!
أرجوه أن يرفق بنفسه..ويمشيعلى جرحه..وينأى به عمّا يسمّ بدنه ويحرق دمه!
أشير عليه بحرارة..أن "يحطّ في الخرج" وأن يعطي نفسه ما تستحقه من استراحة المقاتلين.. حتى يستطيع مواصلة دربه النضالي على الجبهة الثقافية..
أشير عليه التفرغ للإبداع الشعري..والأخذ بيد ليلى الحمراء إلى الآفاق الزرقاء!
فقد جاء في "الحديث": إن لنفسك عليك حقًا..ولأهلك عليك حقًّا..
ويقول الراوي: إن لإبداعك عليك حقًّا..

 

*هذا ليس "أبو الأمين"!*


في صوته بحّة جميلة تشع  دفئًا وأنسًا ومحبّة..وتنزل على القلب بردًا وسلامًا..
أحببتها وأحبّتها الجماهير التي أحبّت الرجل.
كان  يرتدي بنطالا قصيرًا..يُظهر ساقيه اللتين بدأت تجتاحهما جحافل السكري..
الهزال سيد  المشهد! 
هذا ليس "أبو الأمين"!
ولا أخفي عليكم أنني شعرت بغصّة مُرّة في القلب..وبشيء من حزن عميق..ظل يطاردني طيلة أيام المؤتمر..وحتى بعد عودتنا إلى أرض الوطن..
هذا ليس أبو الأمين!
أعود إلى الصور التي التقطت في سهرة زفافي..فأرى أبو الأمين عندما كانت صحته على ظهر خيلها..
أقارن بين الماضي غير البعيد..وبين الحاضر الرمادي..فيتسلل الحزن العميق إلى أعماق القلب!

 

*كانت يدي على قلبي!*


وكان إلحاحي عليه أن يلجأ إلى استراحة المقاتلين حتى يستطيع أن ينهض ويواصل مشواره النضالي على جبهة الإبداع الأدبي..
ألحُّ على الفارس أن يمتطي صهوة الشعر وفرسه الأصيلة..ويعانق حورية البحر..ويطبع قبلة على جبين ليلى الحمراء..
ألحّ عليه أن يلعب مع صديقه عمر..وأن يرافق رفيق دربه سرحان للقيام بعملية استشهادية  لتفجير الماسورة..
كانت هذه الأفكار تراودني وتلحّ عليّ..فألحّ عليه..ويعدني ذلك الطفل الرائع أنه سيستريح.. ويلتقي مع عمر وليلى وسرحان وغيرهم من عرائس الشعر..وفرسان التراث!
وسيجد الوقت الكافي للجلوس مع أحبته الذين يتوق للجلوس معهم..أم الأمين وأمين وفراس وهِبة..فقد اختطفته السياسة وأخذته بعيدًا..بعيدا..وانتزعته من الأحضان الدافئة للعائلة الطيبة!
وأعده أن أكون إلى جانبه في عملية إعادة ترتيب فوضى غابة الأوراق المبعثرة والمتناثرة والنائمة في أحضان أرشيفه المشاغب..
أعده أن أعمل معه على "جمع شمل" ما اندثر من التراث الشعري المختبئ في الزوايا المعتمة..
أعده أن أحمل عنه جزءًا ولو يسيرًا من العبء الذي ينوء به القلب.. ونتفق على الإقلاع في البحار الهائجة..وصولا إلى أسرار الغابات المعتمة واستخراج الجواهر من مناجمها..
ويكون القرار صارمًا لمواصلة المسيرة الإبداعية..

 

*وكنتَ المنارة التي أضاءت الطريق نحو المستقبل المشتهى!*


في قبرص..كان لقاؤنا الأخير!
فقد سافرنا معًا وقضينا أسبوعًا كاملًا..
ولدى العودة إلى أرض الوطن رجعنا معًا..ونزلنا في مطار اللد.. وأبى أبو الأمين إلا أن يوصلني إلى البيت في حيفا في الساعة الثالثة صباحًا..قبل عودته ورفيقة دربه إلى مدينة البشارة!
**
أيها الأخ الحبيب..أيها المناضل الاستثنائي..
يا رجل المهمّات المستحيلة..
يا آخر القلاع الشامخة..
يا صانع "يوم الأرض" المجيد..
أيتها القامة التي لم تنحنِ في وجه العواصف العاتية..ولم "تقطف رأسًا"..فقد ظللت شامخًا تتحدى الأعاصير والرياح السموم..وكنتَ المنارة التي كنتُ أهتدي بها..وكنتَ البوصلةَ التي شقت طريقها عبر الأمواج الصاخبة لتتحدى العواصف والأنواء العاتية..وكنت الشعلة التي أضاءت الطريق نحو المستقبل المشتهى!

 

*لقد قبضت على الجمرة.. ورفعت راية الأمل!*


أيها الإنسان الرائع أبدًا.. والشامخ أبدًا..
يا شاعر الفقراء.. وشاعر البسطاء..وشاعر الشرفاء..
لقد قبضتَ على الجمرة في يدك اليمنى..ورفعت راية الأمل..في يدك اليسرى..
ظللت قابضًا على المبدأ..ولم تضيع البوصلة الفكرية..في وقت سقطت فيه الأقنعة عن كثير من "الآلهة" المزيفة التي تخلّت عن درب النضال الحقيقي.. واختارت طريق النضال الحريرية الناعمة على الطريقة الصالونية البترودولارية!

 

*كان عاصفة..وكان ريح الصبا!*


كان أبو الأمين عالَمًا كبيرًا في إنسان واحد..
كان رجلًا..وكان طفلًا..كان العاصفة..وكان ريح الصبا..
في زمن مشى فيه الملك عاريًا في عزّ النهار..انتصبت حلقات الزار السياسية على امتداد الطريق..وفي جميع الزوايا والتكايا..وأقيمت حفلات العهر السياسي..
ففي زمن تقزمت فيه "الرموز" المزيّفة..
وقف أبو الأمين ضميرًا شامخًا وإنسانًا عملاقًا..
وقف جبينًا عاليًا يتحدى..ويتدفّقنورًا..وكبرياء..

 

*وحين عزّ الرجال..كنتَ الرجل!*


وفي زمن الانهيارات..وسقوط الأنظمة..وسقوط الضمائر..وسقوط الأحلام..وسقوط الرجال..وسقوط القلاع الشامخة..
بقيتَ أنت القلعةَ الحصينةَ السامقةَ..وظللت ترفع الراية..للوصول إلى شواطئ الحلم!
وحين عزّ الرجال..كنت الرجل الشامخ..
وحين عزّت القلاع..كنت القلعة المنيعة..
وحين عزّت الأحلام..كنت الحلم الجميل..
وكنتَ الأمل الوحيد الذي أطل من بين الخرائب السياسية..وانتصب عملاقًا أبيًّا وأصيلا..
لقد كنتَ الأمل..وكنتَ الدليل القاطع على أن الدنيا ما زالت بخير..
**
لك المجد والخلود..ولك علينا أن نحفظ ميراثك النضالي..لنواصل المسيرة.. وصولا إلى تحقيق الحلم وامتطاء صهوة المستحيل!

 

(من كتاب "حكاية عشق"- سيرة ذاتية- الجزء الثاني الذي سيصدر قريبًا؛ ألقيت هذه الكلمة في الذكرى السنوية لرحيل الشاعر القائد، وذلك في الأمسية الثقافية التي دعت إليها الجبهة وأقيمت في نادي المؤتمر في حيفا)

السبت 4/4/2015

اخبارنا

نوم الغزلان

2017-10-31 08:32:30 | محمد علي طهالأديب محمّد علي طه يوقّع على كتابه الجديد ‘نوم الغزلان‘ في النّاصرة موقع بانيت وصحيفة بانوراما 2017-10-30 14:13:11 - اخر تحديث: 30-10-2017 14:13

>> المزيد |